المستند في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ١٨٩
الجو حينئذ بمقدار ضئيل ، وكلما أخذت الشمس في الابتعاد أخذت الظلمة في الاشتداد إلى أن تصل النقطة المسامتة لدائرة نصف النهار ، ولنعبّر عنها بدائرة نصف الليل ، فان هذه النطقة هي غاية ابتعاد الشمس ، وبطبيعة الحال هي غاية اشتداد الظلام ، ثم ترجع بعدئذ وتأخذ في سبيل الاقتراب الموجب للاضاءة والانارة إلى أن يطلع الفجر حسبما عرفت .
ومنه يظهر أن شدّة الظلام ومنتهاه هو عندما تصل الشمس إلى ما يقابل دائرة نصف النهار من قوس الليل ، فهو عبارة عن منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها ، إذ في النصف ما بينه وبين طلوع الفجر الذي يكون حوالي ثلاثة أرباع الساعة قبل هذا الوقت لم تتحقق بعد غاية الظلام[١] ولا نهاية البعد ، فلم يكن هذا الحين مصداقاً للغسق ليتصف بمنتصف الليل ، ونتيجة ذلك انطباق نصف الليل على النقطة المتوسطة ما بين غروب الشمس وطلوعها .
ويعضده : أن المتفاهم العرفي من هذه اللفظة عند الاطلاق هو ذلك ، لأن النهار عندهم هو ما بين طلوع الشمس وغروبها ، فنصف النهار هو الساعة الثانية عشرة ، ومقتضى المقابلة أن يكون نصف الليل هو الساعة الثانية عشرة أيضاً التي هي منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها .
ويتأيد ذلك بروايتين لولا ضعفهما لكانتا دليلين على المطلوب :
إحداهما : رواية عمر بن حنظلة "أنه سأل أباعبدالله (عليه السلام) فقال له : زوال الشمس نعرفه بالنهار فكيف لنا بالليل ؟ فقال : للّيل زوال كزوال الشمس ، قال : فبأيّ شيء نعرفه ؟ قال : بالنجوم إذا انحدرت"[٢] حيث يستفاد منها أنه كما أن انحدار الشمس بعد ارتفاعها ونهاية صعودها يدل على الزوال وحلول نصف النهار ، فكذلك انحدار النجوم الطالعة عند الغروب ، فانه يدل
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] لعل هذا خلاف ما هو المحسوس بالوجدان من عدم اختلاف الساعات المتوسطة من الليل في شدّة الظلام .
[٢] الوسائل ٤ : ٢٧٣ / أبواب المواقيت ب ٥٥ ح ١