الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٧٦ - الرابعة في جواز رد الوصية ما دام الموصي حيا
أقول: و هذا الخبر مبين لما اجعل في الأخبار المتقدمة كما ذيلناها به، و تحقيق الكلام في المقام أنك قد عرفت فيما تقدم أن الوصية من العقود الجائزة في حياة الموصي فلكل من الموصي و الموصى له بمال و نحوه، و الموصى إليه بالولاية، فسخها في حياة الموصي إجماعا.
و أما بعد موته فان قبل كل من الموصى له و الموصى إليه فليس له الرد اتفاقا، و ان لم يقبل في حال الحياة جاز له الرد بعد وفاته، إلا أنه في الموصى إليه مشروط بأن يبلغ الموصي و يعلمه الرد في حال حياته، فلو لم يعلمه ذلك في حال الحياة لزمه القيام بذلك، و لم يكن لرده أثر يترتب عليه، هذا هو المشهور.
و عليه تدل الأخبار المذكورة، لأنها كما عرفت متفقة في أنه لو كان الموصى إليه غائبا و مات الموصي بعد الوصية فليس له الرد، سواء بلغه الخبر و ردها، و لكن لم يبلغ الرد الموصي أو لم يبلغه الخبر إلا بعد موت الموصي، فإنه ليس له الرد، بل يجب عليه القبول، و حينئذ فالحكم في هذه الصورة كما في الصورة الأولى أعني موت الموصى بعد قبول الوصي، فإنه ليس للوصي الرد بعد موته اتفاقا.
و ذهب العلامة في التحرير و المختلف إلى أنه يجوز له الرجوع ما لم يقبل، قال في المختلف: أطلق الأصحاب عدم جواز رد الوصية إذا لم يعلم الوصي بها حتى يموت الموصي، أو يعلم و يرد، و لما يعلم الموصي بالرد، لروايات كثيرة ثم نقل رواية منصور بن حازم، و صحيحة محمد بن مسلم قال: و الوجه عندي المصير الى ذلك ان كان قد قبل الوصية أولا، و ان لم يكن قبل و لا علم جاز له الرجوع، للأصل، و لازالة الضرر الواصل بالتحمل غير المستحق، و قد قال الله تعالى [١] «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
و قال (عليه السلام) [٢] «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».
و تحمل الأحاديث على حصول القبول، لأنه عقد و لا بد فيه من القبول،
[١] سورة الحج- الاية ٧٨.
[٢] الكافي ج ٥ ص ٢٩ ح ٢، الوسائل ج ١٧ ص ٣٤١ ح ٣.