الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٩٩ - المقام الأول في معنى الهبة و عقدها، و الأخبار الواردة فيها
أقول- و بالله التوفيق، لنيل كل مأمول-: لا ريب أن ظواهر الأخبار الواردة في هذا المقام إنما هو الملك الحقيقي لما ذكره من التصرف بجميع وجوه التصرفات من وطئ و بيع و تصدق و هبة و نحوها، و لا شك أن التصرف كيف شاء المتصرف من أقوى أمارات الملك، و دعوى أصالة عدم اللزوم في التحقيق لا يخرج عن القول بالإباحة، بل يرجع إليه، لأنه متى لم يكن الإهداء لازما يوجب الملك كسائر المتملكات، بل يجوز الرجوع فيه فهذا هو عين ما منعه من الإباحة و نفاه في المقام، و ان حصل الفرق بنوع من الاعتبار القشري الذي لا يصلح لترتب حكم شرعي، و ما المانع من كون الإهداء من الأسباب الناقلة للملك إذا اقتضته الأخبار كما عرفت، و لا بد لنفيه من دليل.
و أما عدم تحقق عقد يجب الوفاء به، ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن هذه العقود التي اشترطوها و اشترطوا فيها ما اشترطوه مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل، فان المفهوم من الأخبار أن المدار على التراضي من الطرفين، و أنه العمدة في البين، و قد عرفت أن بيع المعاطاة أيضا لا يشترط فيه أزيد من رضا الطرفين بما يتفقان عليه، فجعله من باب المعاطاة كما احتمله- يقتضي بناء على ما حققنا في بيع المعاطاة، من أنه شرعي لازم- أنه هنا كذلك، و دعوى أن مفاده الملك المتزلزل ممنوعة، حتى أن بعد المحدثين جوز في المعاطاة أن يزن لنفسه، و يضع الثمن في الدكان إذا كان ذلك معلوما بأن قيمة ذلك الجنس كذلك، من غير لفظ و لا كلام بين المتبايعين، و ما نحن فيه لا يقصر عن ذلك، فإنه متى أرسل المهدي الهدية بقصده و اختياره، و قبضها المهدى إليه فأي مانع من لزوم ذلك، كما لزم بيع المعاطاة على الوجه المذكور.
و كيف كان فكلامه جيد بناء على أصولهم و قواعدهم في العقود، و أما على ما هو المفهوم من الأخبار كما تقدم في غير مقام فان ما ذكرنا أجود.
و بالجملة فإن من الظاهر البين الظهور أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)