الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٩٢ - الفصل الحادي عشر حديث ابن أبي العوجاء مع الصادق
و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين، و لذلك لو أنزل الله من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، و لو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعين، و لكن الله جل ثناءه جعل رسله أولي قوة في عزائم نياتهم، و ضعفة في ما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه، و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أذاؤه، و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام، و عزة لا تضام، و ملك يمد نحوه أعناق الرجال، و يشد إليه عقد الرحال، لكان أهون على الخلق في الاختبار، و أبعد لهم من الاستكبار، و لأمنوا من رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة، و الحسنات مقتسمة، و لكن الله أراد أن يكون الاتباع لرسله و التصديق بكتبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره، و الاستسلام لطاعته أمورا له خاصة، لا تشوبها من غيرها شائبة، و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء أجزل، أ لا ترون أن الله جل ثناؤه اختبر الأولين من لدن آدم الى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع.
فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا و أقل نتائق الدنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية معاشا، و أغلظ مجال المسلمين مياها، بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون وشلة، و قرى منقطعة، و أثر من مواضع قطر السماء داثر، ليس يزكو به خف و لا ظلف و لا حاضر، ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم تهوى اليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متصلة، و جزائر بحار منقطعة، و مهاوي فجاج عميقة، حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون الله حوله، و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له، قد نبذوا القنع و السراويل وراء ظهورهم، و حسروا بالشعور حلقا من رؤوسهم ابتلاء عظيما و اختبارا كبيرا و امتحانا شديدا و تمحيصا بليغا و فتونا مبينا جعله الله سببا لرحمته و وصلة وسيلة إلى جنته، و علة لمغفرته، و ابتلاء للخلق برحمته، و لو كان الله تبارك و تعالى وضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنات و أنهار و سهل و قرار، جم الأشجار، داني الثمار، ملتف النبات، متصل القرى، من برة سمراء، و روضة خضراء