الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٢٠ - المسألة السادسة مستحبات رمي الجمار
الثالث، و جواز هذا النفر مخصوص بمن كان قد اتقى في إحرامه الصيد و النساء، قال في المنتهى: «و قد أجمع أهل العلم كافة على أن من أراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم غير مقيم بمكة فله ان ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق، لا نعلم فيه خلافا».
أقول: و الأصل في هذه المسألة قوله عز و جل [١] «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ. لِمَنِ اتَّقىٰ» و قيل في المقام اشكال، و هو أن ظاهر قوله سبحانه «وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» يعطي أن التأخير ربما كان مظنة للإثم فنفى ذلك بقوله «لا اثم عليه» مع أن التأخير أفضل للإتيان بمناسك اليوم الثالث، فكيف يتوهم تقصيره و كونه مظنة للإثم ليحتاج الى نفيه عنه.
و قد أجيب عن ذلك بوجوه: منها أن الرخصة قد تكون عزيمة، كما في التقصير، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الاستعجال و التأخر دلالة على التخيير بين الأمرين.
و منها أن أهل الجاهلية كانوا فريقين: فمنهم من يجعل المتعجل آثما، و منهم من يجعل المتأخر آثما فبين الله تعالى، أن لا اثم على كل منهما.
و منها أن المعنى في إزالة الإثم على المتأخر انما هو لمن زاد على مقام ثلاثة أيام، فكأنه قيل: أن أيام منى التي ينبغي المقام بها ثلاثة فمن نقص فلا أثم عليه، و من زاد على الثلاثة و لم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
و منها أن هذا من باب رعاية المقابلة و المشاكلة مثل «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا» بل هذا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا اثم على صاحبه فيه، و جزاء السيئة ليس سيئة أصلا.
و هذا الوجه نقله في مجمع البيان عن الحسن بتقرير يرجع الى ما ذكر، حيث قال: الثاني أن معناه لا اثم عليه في التعجيل و التأخير و انما نفى الإثم لئلا يتوهم متوهم أن في التعجيل إثما، و انما قال: فلا اثم عليه في التأخير على جهة المزاوجة، كما
[١] سورة البقرة الآية- ٢٠٣.