الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٩ - احتال ابن أبي عتيق على والي المدينة حتى جعله يسمع منها و يعدل عن إبعاد المغنين من المدينة
أخيّة! نسيت لي فضلي عليك! ويلك! أين تأديب الغناء و أين حقّ التعليم! أنسيت قول جميلة يوما [و هي] [١] تطارحنا و هي تقول لك: خذي إحكام ما أطارحك من أختك سلّامة، و لن تزالي بخير ما بقيت لك و كان/ أمركما مؤتلفا!. قالت: صدقت خليلتي! و اللّه لا عدت إلى شيء تكرهينه؛ فما عادت لها إلى مكروه. و ماتت حبابة و عاشت سلّامة بعدها دهرا.
احتال ابن أبي عتيق على والي المدينة حتى جعله يسمع منها و يعدل عن إبعاد المغنين من المدينة
: أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب عن عبد الرحمن بن المغيرة الحزاميّ الأكبر قال:
لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّيّ المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنّك قد وليت على كثرة من الفساد؛ فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء و الزّنا. فصاح في ذلك و أجلّ أهلها ثلاثا يخرجون فيها من المدينة. و كان ابن أبي عتيق غائبا، و كان من أهل الفضل و العفاف و الصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلّامة القسّ. فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتّى جئتكم أسلّم عليكم. قالوا: ما أغفلك عن أمرنا! و أخبروه الخبر. فقال: اصبروا عليّ [٢] الليلة. فقالوا: نخاف ألّا يمكنك شيء و ننكظ [٣]./ قال: إن خفتم شيئا فاخرجوا في السّحر. ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيّان فأذن له، فسلّم عليه و ذكر له غيبته و أنه جاءه ليقضي حقّه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء و الزّنا، و قال: أرجو ألّا تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك. قال عثمان: قد فعلت ذلك و أشار به عليّ أصحابك. فقال: قد أصبت، و لكن ما تقول- أمتع اللّه بك- في امرأة كانت هذه صناعتها و كانت تكره على ذلك ثم تركته و أقبلت على الصّلاة و الصيام و الخير، و أتى رسولها إليك تقول: أتوجّه إليك و أعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و مسجده؟
قال: فإنّي أدعها لك و لكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، و لكن تأتيك و تسمع من كلامها و تنظر إليها، فإن رأيت أنّ مثلها ينبغي أن يترك تركتها؛ قال نعم. فجاءه بها و قال لها: اجعلي [٤] معك سبحة و تخشعي ففعلت.
فلمّا دخل على عثمان حدّثته، و إذا هي من أعلم الناس بالناس و أعجب بها، و حدّثته عن آبائه و أمورهم ففكه لذلك. فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير فقرأت له؛ فقال لها احدي له ففعلت، فكثر تعجّبه. فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها! فلم يزل ينزله شيئا شيئا حتى أمرها بالغناء. فقال لها ابن أبي عتيق: غنّي، فغنّت:
سددن خصاص [٥] الخيم لمّا دخلنه
بكلّ لبان [٦] واضح و جبين
فغنّته؛ فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها ثم قال: لا و اللّه ما مثل هذه تخرج!. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، يقولون: أقرّ سلّامة و أخرج غيرها. قال: فدعوهم جميعا؛ فتركوهم جميعا.
[١] زيادة عن ح.
[٢] كذا في «نهاية الأرب» (ح ٥ ص ٥٤ طبع دار الكتب المصرية طبعة أولى). و في الأصول: «إلى الليلة».
[٣] كذا في ح. يقال: أنكظه إذا أعجله عن حاجته. و في سائر الأصول: «و تنكص».
[٤] رواية، «أ، م»: «احملي».
[٥] الخصاص: الخروق.