يوم الخلاص في ظل القائم المهدي عليه السلام - كامل سليمان - الصفحة ١٠٣ - ما الحكمة من غيابه؟
هذا، و الأمة الإسلامية لا تعدو بشأنه خطى الأمم السابقة-كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-إذ كلّ نبيّ قد توارى عن قومه لمّا اقتضت مصلحة دعوته ذلك: من إبراهيم إلى إدريس فصالح فيوسف فموسى، فعيسى فمحمد صلوات اللّه عليهم..
أفلا يصح ذلك في بقيّة اللّه في أرضه، و حجّته على عباده، و حامل مواريث أنبيائه، و المخلوق الوحيد الذي يحمل ريح السماء و روح الفرج للإنسانية؟!!أجل..
فالتاريخ الذي بين أيدينا ينبئنا أن كل إمام عايش عهود الظّلمة الذين ابتزّوا حقه، كان لا يخرج من حبس إلاّ ليتلقّى أوامر حجر أو نفي، أو لتنتاشه شباة سيف، أو ليسقى سمّا قتّالا!!!
و من منّا لا يعرف أن الإمام الكاظم عليه السّلام مثلا كانت تجتمع إليه ثقات شيعته في السجن؟!. و كان يفتيهم في حلال اللّه و حرامه و القيد في رجليه، و الغلّ في يديه؟.
و مع ذلك كانت تجبى إليه الأموال، و كانت عطاياه السخيّة للمؤمّلين تفوق عطايا الملوك.. و من من الناس لم يسمع بصرر الكاظم من الذهب و الفضة التي كان يعدّها للعطايا؟!.
و نلفت النظر إلى أن الفتيا كانت ميسورة في أشد أزمنة الضيق على الأئمة، لأن السلطة كانت تضيّق عليهم لتدفعهم عن مراتبهم و لتدفع الخطر عن ملكها، ثم تترك متنفّسا لشيعتهم و تغضّ الطرف عن الاجتماع إليهم و الاستماع منهم، لتمتصّ ما عند شيعتهم من النّقمة و السّخط.. و لكنّ حال القائم عليه السّلام تختلف عن حال آبائه بسبب أنه الثاني عشر المرصود لمعاملة الظالمين بلا هوادة و بلا مهادنة و بلا حلّ وسط..
فقد كان آباؤه لا يزالون ماضين في تأثيل العقيدة، و شرح القرآن و تبيانه، و إقامة السنّة. أما هو فيأتي بسيف مخلوق لإحياء ما اندرس من ذلك، و الحاكمون له بالمرصاد منذ ولادته و في كل حين، إذ لو قد خرج لانتظروا قلب الأنظمة المستبدة، و لما كان الحاكم الذي يعرفه أرحم به من أيّ واحد من الرعايا يحاول نسف الدولة و زعزعة السلطان..
فمنذ البدء: كانت محاصرة الشرطة لدار أبيه أثناء الحمل به، و مراقبة نساء أبيه من القوابل، و بثّ الأرصاد و العيون حوله من عسكر أعدائه، كانت كلها سيوفا مصلتة لاغتياله قبل أن يبصر النور، حتى أنهم حين فشلوا في الكشف عنه قبضوا على نساء