مقامات الزمخشري - الزمخشري - الصفحة ١٩٤
مقامة النهي عن الهوى
مقامة النهي عن الهوى يا أبا القاسم إنّ الذي خلقك فسوّاك (١) . ركّب فيك عقلك و هواك. و هما في سبل الخير و الشرّ دليلاك، و في مراحل الرشد و الغيّ نزيلاك (٢) . أحدهما بصير عالم يسلك بك في البردين (٣) المحجّة البيضاء و يرد بك زرق (٤) المناهل.
و الآخر أعمى جاهل يخبط بك في بيضة (٥) الهاجرة البيد (١) فسواك: فجعلك مستوي الخلقة متناسبها غير متفاوتها.
(٢) نزيلك: الذي ينزل معك. و يقال للضيف النزيل.
(٣) البردان: الغداة، و العشى. و أنشدني الكبير المنتجب أبو علي محمد بن أرسلان لنفسه بيتا لو وقع في شعر المتقدمين لسيرته الرواة و خلدته الأئمة في كتبهم. و كم من أخوات له ضيع بضياع الأدب و قلة النقلة و اتضاع الهمم و تراجع الأمور على أعقابها:
«و برداه مسحوران مثل هجرة # كأن ليس فيه بكرة و أصيل»
و ما أظن البردين وقعا مثل هذا الموقع منذ نطق بهما واضع العربية.
(٤) الماء الأزرق الصافي. قال زهير:
«و لمّا وردن الماء زرقا حمامه # وضعن عصى الحاضر المتخيم»
(٥) و بيضة القيظ: وسطه و أشده. في رائية الشماخ:
«طوى ظمئها في بيضة القيظ بعدما # جرى في عنان الشعر بين الأماغر»