مقامات الزمخشري - الزمخشري - الصفحة ١١٦
مبلسا (١) من إطلاق الممتحن. لم يبق بعد هجر العشيرة و جفوة العشير (٢) و وداع المستشير من جلسائك و المشير. إلاّ عملك الذي لزمك في حياتك لزوم صحبك. و يستبقي صحبتك بعد قضاء نحبك. فيصحبك على التّخت مغسولا. و يألقك على النعش محمولا.
و يرافقك موضوعا على الأكتاف في المصلّى. و يحالفك و أنت في الحفرة مدلّى. و يضاجعك غير هائب من مضجعك الخرب.
و يعانقك غير مستوحش من خدّك الترب. و لا يفارقك ما دمت في غمار الأموات. و إن أصبحت و مؤلفاتك أشتات. و عظامك ناخرة و رفات. فإذا راعتك نفخة النّشر: و فاجأتك أهوال الحشر. و فرّ منك أبوك. و أمك و أخوك. و لكلّ منهم مهم يعنيه. و شأن حينئذ يغنيه. وجدت عملك في ذلك اليوم الأغبر. و ساعة الفزع الأكبر (٣) .
أتبع لك من ظلّك و ألزم (٤) من شعرات قصّك. يفد معك أينما تفد. و يرد حيثما ترد. ثمّ إمّا أن يدلّك على فوز مبين. و إما أن (١) المبلس: اليائس. و هم فيه مبلسون.
(٢) العشير، المعاشر. نحوه الصديق و الخليل و الخليط بمعنى مفاعل و في الحديث: (و يكفرن العشير أراد الزوج) .
(٣) الفزع الأكبر: النفخة الأخيرة. لقوله تعالى: (وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ) [١] .
(٤) في أمثالهم: «ألزم له من شعرات قصه» لأنها تحلق و لا تنتف و القص و القصص الصدر.
[١] سورة النمل، الآية ٨٧.