مقامات الزمخشري - الزمخشري - الصفحة ١٦٩
ممّا يشوّر بك و يفضحك. و يشوّهك عند النّاس و يقبّحك.
كلما ازددت بلؤمك غمصا لأياديه و كفرانا. زادك بكرمه الواسع طولا و إحسانا. هذا إلى أن بلغت الأربعين أو نيفت (١) عليها و هي الثنية التي على الأريب العاقل إذا شارفها أن يرعوي. و على اللّبيب الفاضل إذا أناف عليها أن يستوي. فكان أقرب شيء منك التواؤك.
و أبعد شيء عنك استواؤك. فلم يشأ لكرمه خذلانك. و أن يخليّك و شانك. بل شاء أن يسوق نحوك النّعمة بكمالها و تمامها. و أن يحدوها و يهديها اليك من خلفها و أمامها. فأذاقك (٢) من بلائه مسة خفيفة إلاّ أنها طحنت يا مسكين متنك و صلبك. و كبست شدائدها صدرك و قلبك. و داستك و عركتك بالرّجل و اليد. و وطئتك وطأ (٣) المقيد. فكانت لعمري زجرة أعقبتك من رقاد الغفلة يقظه. وصبت في أذنيك أنفع نصيحة و أنجع موعظه. و قذفت في قلبك روعة خفقت منها أحشاؤك. و كاد ينقطع أبهرك (٤) و تنشق مريطاؤك (٥) . (١) نيف على الأربعين و ورف عليها: زاد عليها. و هو من الإنافة.
(٢) فأذاقك من بلائه مسة خفيفة: يريد المنذرة.
(٣) وطاء المقيد: مثل في الثقل و الرزانة و في أبيات الحماسة:
«و وطئتنا وطء على حنق # وطاء المقيد نابت الهدم»
(٤) الابهر عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. و منه قوله عليه الصلاة و السلام (ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت ابهري) .
(٥) المريطاء: جلدة رقيقة في الجوف. و منه قول عمر رضي-