مقامات الزمخشري - الزمخشري - الصفحة ٩٢
آنسوك حمدت الوحشة. و إن جالسوك وددت الوحدة. بينا أنت في خلواتك و انفرادك. مكبّا على أحزابك (١) و أورادك. مردّدا فكرك كما يجب فيه ترديده. مجدّدا ذكر اللّه الذي لا ينبغي (٢) إلاّ تجديده. مشتغلا بخويصة (٣) نفسك و ما يعنيك. عاكفا على ما يدعوك إلى الخير و يدنيك. و يلفتك عن الشر و يثنيك. إذ فوجئت بمثافنة (٤) بعضهم. من الذين أخذك اللّه (٥) ببغضهم. فضرب بينك و بين ما كنت ق-و قانا اللّه شره قد بلوا به من بين طبقات الناس لما فسد من نياتهم و أنهم لم يتفقهوا إلا لضدّ ما وضع اللّه له التفقه و أمر به من الاقتداء بالانبياء في عقد الهمة بالإنذار و التحذير بل للحظوظ الخسيسة فلذلك لم يكن مهمهم إلا التكالب عليها و التصافع على نيلها.
(١) الحزب: الورد. يقال: قرأت حزبي من القرآن.
(٢) ينبغي مطاوع يبغي كأنه ينطلب و لم يرد ماضيه مستعملا إلا في موضع واحد من كتاب سيبويه.
(٣) خويصة نفسك: حويلتها الخاصة. بسكون الياء كأصيم و دويبة. و هذا من التقاء الساكنين على حده. و هو أن يكون الأول حرف لين و الثاني حرفا مدغما.
(٤) المثافنة: المجالسة. و قال اللحياني: ثافنه: لازمه و لم يبارحه و هي مفاعلة من الثفنة و ثفنات البعير. و ما في قول العجاج:
«خوّ على مستويات خمس # كركرة و ثفنات ملس» .
(٥) أخذك اللّه ببغضهم: كلفك بغضهم و ألزمكه. و منه قوله عزّ و جل: (أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) [١] أي كلفته عزته أن يأثم برد قول آمره بالتقوى أو بالوثوب عليه أو بالزيادة في فساده.
[١] سورة البقرة، الآية ٢٠٦.