مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٨٧ - (كتاب الطهارة)
«وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ»: أى وسوسته إليكم و تخويفه إيّاكم فقد روى أنّ الكفّار سبقوا المسلمين إلى الماء [١] فاضطرّ المسلمون و نزلوا على تلّ من رمل سيّال لا تثبت فيه أقدامهم، و أكثرهم خائفون لقلّتهم و كثرة الكفّار فباتوا تلك الليلة على غير ماء فاحتلم أكثرهم، و قد غلب المشركون على الماء فوسوس إليهم الشيطان. و قال: كيف تنصرون و قد غلبتم على الماء و أنتم تصلّون محدثين مجنبين و تزعمون أنّكم أولياء اللّه و فيكم رسوله فأشفقوا فأنزل اللّه المطر ليلا حتّى جرى الوادي و اتّخذوا الحياض غدوة الوادي، و سقوا الركاب و اغتسلوا و توضّؤوا و تلبّد الرمل الّذي بينهم و بين عدوّهم حتّى تثبت فيه القدم و زالت الوسوسة، و يحتمل أن يراد برجز الشيطان الجنابة الحاصلة بالاحتلام لأنّها من فعله و تخييله فيكون فيه إشارة إلى رفع الحدث. و في قوله: ليطهّركم إلى إزالة الخبث.
«وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ» و يقويها ليحصل لها الوثوق بلطف اللّه.
«وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ» أى بالمطر حتّى لا تسوخ في الرمل أو في الربط حتّى يثبت بالمعركة، و لا تكون متزلزلة، و في الآية دلالة على كون الماء المطلق مطهّرا يتطهّر به من حدث الجنابة و غيره لإطلاق التطهير به، و هو يتحقّق من الحدث و الخبث، و قد انعقد إجماع الأمّة على ذلك و تظافرت به الأخبار، و قد يستدلّ بها على نفى كون غير الماء المطلق مطهّرا، و وجّهه العلّامة في المختلف بأنّه تعالى خصّص التطهير بالماء فلا يقع في غيره.
أمّا المقدّمة الأولى، فلأنّه تعالى ذكرها في معرض الامتنان. فلو حصلت الطهارة بغيره أيضا لكان الامتنان بالأعمّ أولى و لم يكن للتخصيص فايدة.
و أمّا الثانية: فظاهرة، و اعترضه بعض المتأخّرين أنّه يجوز التخصيص بالذكر
[١] قال الشوكانى في تفسيره فتح القدير ج ٢ ص ٢٧٩ بعد نقله الرواية! إن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء، و هذا المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي و هو ضعيف جدا.