مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٨٣ - (كتاب الطهارة)
الكتب السماويّة لامتيازه عنها بأنّه معجز باق على مرّ الدهور.
«فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ» صفة بعد أخرى أو خبر بعد خبر: أى مستور عن الخلق في اللوح المحفوظ.
«لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» صفة لقرآن، و يحتمل أن يكون صفة ثانية لكتاب «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» صفة لقرآن فإنّه منزل من ربّ العباد على لسان نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) قيل: فيه دلالة على عدم جواز مسّ القرآن للمحدث حدثا أصغر أو أكبر و فيه أنّ الدلالة موقوفة على كون لا يمسّه خبرا بمعنى النهي صفة لقرآن أو خبر ثان لكلمة أن بتقدير مقول فيه لا يمسّه إلّا المطهّرون، و هو غير لازم. إذ يجوز أن يرجع الضمير إلى الكتاب المكنون: أى اللوح المحفوظ، و جملة لا يمسّه صفة له.
و المراد أنّ القرآن الكريم فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الملائكة الْمُطَهَّرُونَ من جميع الأدناس: أدناس الذنوب و غيرها. فلا حاجة إلى جعل لا يمسّه بمعنى النهي، و يؤيّد ذلك أنّه أقرب، و عدم الاحتياج إلى الجملة الخبريّة بمعنى النهي و موافقته لما هو الأصل من الإباحة، و لكن يؤيّد الأوّل أنّ القرآن هو المحدث عنه في الآية الكريمة، و لأنّ الفصل بين نعته الثاني و الثالث بنعت الكتاب بمفرد فقط ليس بمثابة الفصل به، و بجملة طويلة كما هو اللازم على التقدير الثاني، و من هنا نشأ اختلاف الأصحاب في جواز مسّ كتابة القرآن للمحدث. فقال الشيخ في المبسوط: بالكراهة و وافقه على ذلك جمع من الأصحاب و هو قول بعض العامّة أيضا [١] و قال الشيخ في الخلاف بالتحريم، و عليه أكثر الأصحاب، و هو مرويّ عن ابن عمر و الحسن و عطا و طاوس و الشعبي، و قول مالك و الشافعي و أصحاب الرأي، و يؤيّده من الأخبار ما رواه حريز مرسلا عن الصادق (عليه السلام) [٢] أنّه نهى ابنه إسماعيل لمّا كان على غير وضوء
[١] قال ابن قدامة في المغني ج ١ ص ١٤٧ بعد نقل اشتراط الطهارة لمس الكتاب و لا نعلم مخالفا لهم إلا داود فإنه أباح مسه، و أباح الحكم و حماد مسه بظاهر الكف لان آلة المس باطن اليد فينصرف النهي إليه دون غيره.
[٢] انظر الوسائل الباب ١٢ من أبواب الوضوء الحديث الثاني، و فيه لا تمس الكتاب و مس الورق و اقرأه.