مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٣٨ - (كتاب الصوم)
و لو قيل: إنّ ما تقتضيه المصلحة لا بدّ أن يفعله اللّه فما معنى الدعاء.
لقلنا: إنّ الدعاء عبادة مخصوصة في نفسها تعبّد اللّه سبحانه بها عباده لما في ذلك من إظهار الخشوع و الافتقار إلى اللّه سبحانه، و لأنّه لا يمتنع أن يكون ما سأله العبد إنّما صار مصلحة بعد الدعاء فيحصل بالدعاء هذه الفائدة، و في الأخبار ما يدلّ على ذلك أيضا، و فيها دلالة واضحة على أنّه تعالى ليس له مكان و إلّا لم يكن قريبا من كلّ من يناجيه ضرورة أنّ من كان قريبا من الشرقي كان بعيدا من الغربي، و من كان قريبا من حملة العرش كان بعيدا من غيرهم.
«فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» فيما دعوتهم إليه من الإيمان و الطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهامهم.
«وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أمر بالثبات و المداومة عليه، و في مجمع البيان [١] روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: و ليؤمنوا بي: أى ليتحقّقوا أنّى قادر على إعطائهم ما سألوه.
«لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» يصيبون الحقّ و يهتدون إليه، و لعلّ ذكر هذه الآية بعد التكليف بعبادات شاقّة هي الصوم و تكميل العدّة على الوجه المتقدّم للدلالة على أنّه تعالى خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم فيهون عليهم ذلك التكليف، و يكونون حريصين على ما أمروا به غير متوانين فيه. ثمّ إنّه تعالى بيّن أحكام الصوم فقال:
«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ» روى علىّ بن إبراهيم [٢] بن
[١] المجمع ج ١ ص ٢٧٨.
[٢] الحديث رواه على بن إبراهيم في تفسيره ص ٣٥ و العياشي ج ١ ص ٨٣ الرقم ١٩٨ و علم الهدى في رسالة المحكم و المتشابه ط تهران ١٣١٢ ص ١٣ و الفقيه ج ٢ ص ٨١ الرقم ٣٦٢ و التهذيب ج ٤ ص ١٨٤ الرقم ٥١٢ و الكافي ج ١ ص ١٩٠ و هو في المرآة ج ٣ ص ٢٢٣ و البحار عن العياشي و العماني ج ٢٠ ص ٦٩ و ٧٠ و الوسائل الباب ٤٤ من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك ص ٨٠ ج ٢ ط أمير بهادر، و المستدرك ج ١ ص ٥٦١ و البرهان ج ١ ص ١٨٧ و نور الثقلين ج ١ ص ١٤٤ و الوافي الجزء السابع ص ٣٤ و قلائد الدرر ج ١ ص ٣٦٧ و في ألفاظ الحديث قليل اختلاف يظهر عند مراجعة المصادر التي سردناها، و اختلف نسخ المصادر في ابن جبير ففي بعضها مطعم بن جبير كما في المتن، و في بعضها خوات بن جبير و أظن أنه الصحيح، و أن مطعم إنما وقع من سهو النساخ فانا لا نعرف مطعم بن جبير فيما بأيدينا من معاجم الصحابة و لا يحتمل أن يكون جبير بن مطعم القرشي بالقلب فإنه أسلم عام الحديبية أو عام الفتح، و أما خوات بن جبير فهو ابن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس (و هو البرك) بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي احد فرسان رسول اللّه (ص) شهد بدرا هو و أخوه عبد اللّه بن جبير في قول بعضهم. و قيل: لما خرج إلى بدر أصاب ساقه حجر فضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له بسهمه و شهد أحدا و الخندق و المشاهد كلها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له في الجاهلية قصة مشهورة مع ذات النحيين قد محاها الإسلام توفي بالمدينة سنة أربعين و هو ابن أربع و تسعين ترى ترجمته في أسد الغابة ج ٢ ص ١٢٥ و الإصابة ج ١ ص ٤٥١ الرقم ٢٢٩٨ و الاستيعاب ذيل الإصابة ج ١ ص ٤٤٢ و الطبقات لابن سعد ج ٣ ص ٤٧٧ ط بيروت، و رسالة الشيخ حر العاملي ص ٦١ الرقم ٢٢٣ و تراه في كتب الرجال، و أنه من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام).