مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٧٨ - (النوع الرابع) (في مقدمات أخر للصلاة)
ثيابه، و تطيّب بأطيب طيبه، و ركب أفضل مراكبه فخرج إليهم فوافقهم قالوا: يا ابن عبّاس بينا أنت خير الناس أتيتنا في لباس الجبابرة و مراكبهم. فتلا هذه الآية «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ» الآية فالبس و تجمّل فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال.
ثمّ إنّه تعالى أشار إلى بيان أصول الأفعال المحرّمة، و حصرها في ستّة أنواع لأنّ الجناية إمّا على الفروج، و أشار إليها بقوله «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ» أي جهرها و سرّها، و إمّا أن يكون على العقول، و هي شرب الخمر و إليها أشار بقوله «وَ الْإِثْمَ» فإنّ الإثم من أسماء الخمر، و قيل: الفواحش ما تزايد قبحه و تشايع، و الإثم عامّ لكلّ ذنب فهو تعميم بعد تخصيص، و إمّا أن يكون الجناية على النفوس و الأموال و الأعراض و إليهنّ أشار بقوله «وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» و الجارّ متعلّق بالبغي مؤكّد له معنى كقوله تعالى «وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ» و معنى كونه بغير الحقّ أنّهم يقدمون على إيذاء الناس بالقتل و القهر من غير أن يكون لهم حقّ إذ لو كان لهم فيه حقّ ليخرج عن أن يكون بغيا، و إمّا أن يكون الجناية على الأديان إمّا بالطعن في التوحيد، و إليه أشار بقوله «وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّٰهِ مٰا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطٰاناً» أي لم تقم به عليه حجّة و هو تهكّم بالمشركين. فإنّ كلّ مشرك فهو بهذه المثابة ليس عليه حجّة و لا برهان، و فيه إيماء إلى وجوب اتّباع البرهان لأنّ ترك مقتضى البرهان اتّباع ما لم يدلّ عليه برهان. فتأمّل.
و إمّا بالافتراء على اللّه، و ذلك قوله «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» بالإلحاد في صفاته، و الافتراء عليه، و منه إسناد الأمور الغير الصادرة عنه إليه كالقول بأنّ الحكم في المسئلة كذا مع أنّه ليس كذلك، و يدخل في ذلك الفتوى و القضاء بغير الاستحقاق و هو ظاهر، و حيث إنّ الحصر فيها إضافيّ كما أشرنا إليه فلا يضرّ وجود محرّمات غيرها كثيرة.
فإن قيل: الفاحشة و غيرها ممّا قيل هنا هي الّتي نهي اللّه تعالى عنها فيصير تقدير الآية: إنّما حرّم ربّى المحرّمات، و هذا كلام خال عن الفائدة.
قلنا: كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي