مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١١٧ - (كتاب الطهارة)
و يظهر من كلامي الكشّاف و البيضاوي: أي لا يصل عهدي إلى كلّ الذرّيّة مطلقا، و إنما يصل إلى من هو بريء من ظلم نفسه، و معلوم أنّ فاعل المعاصي ظالم لنفسه كما قال سبحانه «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» فلا يستحقّ الإمامة. قال الشيخ في التبيان: و استدلّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلّا معصوما من القبائح لأنّ اللّه تعالى نفى أن ينال عهده الّذي هو الإمامة ظالم، و من ليس بمعصوم و هو ظالم إمّا لنفسه أو لغيره.
فإن قيل: إنّما نفى أن يناله ظالم في حال كونه كذلك فأمّا إذا تاب و أناب فلا يسمّى ظالما فلا يمتنع أن يناله.
قلنا: إذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية كانت تتناوله [متناولة له خ ل] في حال كونه ظالما فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنّه لا ينالها، و لم يقيّد بأنّه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب أن تحمل الآية على عموم الأوقات في ذلك و لا ينالها و إن تاب فيما بعد. انتهى كلامه و هو جيّد في الغاية.
و يمكن الاستدلال علي ذلك من وجه آخر فيقال: إنّ فاعل المعصية وقتا ما يصدق عليه أنّه ظالم في الجملة أمّا على تقدير كون المشتقّ حقيقة لمن اتّصف بالمشتقّ منه وقتا ما فظاهر، و أمّا على تقدير اشتراط الصدق حقيقة بكون المبدأ قائما به فلأنّ ذلك ليس بمراد قطعا. إذ لا يتوهّم في المباشر الظلم في وقت أن ينال العهد في ذلك الوقت فتعيّن الأوّل و يتمّ المطلوب، و قد نفى اللّه تعالى العهد عمّن صدق عليه أنّه ظالم في الجملة و يلزم منه عدم جواز من اتّصف بفسق من الفسوق وقتا ما إماما. فلا بدّ في النبيّ، و الإمام القائم مقامه من كونهم معصومين من أوّل عمرهم إلى آخره من الكبائر كما هو مذهب أصحابنا، و قد أجرى اللّه الحقّ على لسان البيضاوي حيث قال في تفسيرها: إنّها تدلّ على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، و إنّ الفاسق لا يصلح للإمامة.