غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٢ - المسألة الرابعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تصوير ذوات الأرواح
يصير محصل الأول ان من مثل مثالا منقوشا فقد خرج عن الإسلام و يصير محصل الثاني ان تمثيل المثال المنقوش بغير الروحاني مباح و تمثيل المثال المنقوش للروحانى حرام فيصير مؤدى الثاني أخص من الأوّل فكيف يصحّ حمل الأول على الكراهة و قد اندرج تحته صنفان أحدهما محكوم عليه بالحرمة و الأخر محكوم عليه بالإباحة التي يصحّ اجتماعها مع الكراهة فلا بد من تقييد المطلق
قوله فالظاهر ان المراد به ما كان مخلوقا للّه سبحانه على هيئة خاصة معجبة للناظر على وجه يميل النفس الى مشاهدة صورتها المجردة عن المادة أو معها
(انتهى) أورد عليه بعض من تأخر بالمنع من دلالة الأدلة على تخصيص الحكم بما ذكره مما اشتمل على القيدين اللذين هما كون المصور مخلوقا للّه و كونه على هيئة معجبة و ما أورده في محله و لا ارى وجها لدلالة شيء من الأدلة على الاختصاص الا ان يقال بالنسبة إلى اشتراط كون المصور معجبا ان التصوير بحسب أصل الوضع اللغوي و ان كان أعم الا انه ينصرف الى تصوير ما كان اعتناء بصورته و لا تكون صورته مما يعرض غالب المواد بحيث لا يكون فيها غرابة أصلا كتصوير الأحجار و القصبات فتختص الأدلة بما ذكر بحكم الانصراف و اما بالنسبة إلى كونه مخلوقا للّه فلا ارى ما يحتمل كونه مستندا للتخصيص لان دعوى ان التصوير ينصرف الى تصوير ما خلقه اللّه دون ما خلقه غيره ليست مما يحتمل صدوره من عالم الا ان يقال ان اخبار تكليف اللّه سبحانه المصور بنفخ الرّوح تنبئ عن ان من فعل ذلك فقد نازعه تعالى في سلطانه و لذلك يكلفه به تعجيزا له و اعلاما بسوء عمله و إتماما للحجة عليه ليعذبه و معلوم ان معنى المنازعة له تعالى في سلطانه لا يتم الا بان يصور ما هو مخلوق للّه حتى يكون خالقا مثل ما خلق تعالى لان من صنع ما هو مخلوق للناس كما لو صنع سفينة لم يكن قد نازع اللّه في سلطانه و قدرته فعدم كون مصور صورته منازعا بطريق أولى أو يدعى الاستناد إلى الحكمة التي استظهرها في مقام تأييد الحكم و هي ان السر في الحرمة هو حرمة التشبه بالخالق (انتهى) و لكن الأول من قبيل الاشعارات و التلويحات البعيدة التي لا يصح الاعتماد عليها في الأحكام الشرعية و الثاني (أيضا) غير صالح للاستناد اليه هو (رحمه الله) لم يستند اليه و انما جعله مؤيدا
قوله هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل فلو دعت الحاجة الى عمل شيء يكون شبيها بشيء من خلق اللّه و لو كان حيوانا من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعا
اعترضه بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى بما لفظه و لا يخلو من نظر بل منع مع عدم وصول الحاجة الى حد الضرورة لإطلاق النص و الفتوى الا ان يراد بعدم قصد الحكاية صورة الغفلة و النسيان و نحوهما و لكنه بعيد جدا بل قد يقطع بعدمه فتأمل جيدا انتهى و أنت خبير بان كلام المعترض مما لا مساس له بكلام (المصنف) (رحمه الله) فان مقصوده (رحمه الله) هو انه إذا لم يكن الداعي إلى عمل ما هو بصورة شيء من الحيوانات هو التمثيل و التشبيه كما لو احتاج الى عمل اداة على صورة أحد الحيوانات كالاداة المصنوعة في زماننا على هيئة الهرة لإقامة الأساطين و الأعمدة الثقيلة التي تنوء بالعصبة اولى القوة فإنه (حينئذ) يكون المقصود من صنع تلك الأداة تحصيلها ليرتب عليها الأثر المقصود و حيث لم يكن يترتب المقصود عليها الا بان تكون على تلك الهيئة الخاصة حتى تتلاءم اجزاؤها التي لكلّ منها و لهيئته مدخل في حصول الأثر المقصود من تلك الأداة فخ يكون مسيس الحاجة الى مثل تلك الأداة داعيا الى صنعها لتحصيل المقصود لا بقصد التمثيل و التصوير فلا يندرج في الاخبار الناهية عن التمثيل و التصوير مثل قوله (عليه السلام) من جدد قبرا أو مثل مثالا (انتهى) و كذا قوله (عليه السلام) تصاوير التماثيل و كذا قوله (عليه السلام) و صنعة صنوف التصاوير و السر فيه ان صنع مثل ما ذكر انما هو صنع ما هو بصورة الحيوان لا تصوير الحيوان فالحاصل ان المثال و الصورة و ما وافقهما في المادة و المعنى لا تتحقق إلا بإيجاده بقصد التشبيه و الحكاية فما لم يكن بذلك العنوان خارج عن حكم الاخبار و اين هذا من مقابلته بأن الحاجة إذا لم تكن تصل الى حد الضرورة فالجواز ممنوع نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى و كأنه أيده اللّه تعالى زعم ان (المصنف) (رحمه الله) يريد ان مجرد الحاجة مجوز و لم يمعن النظر في قيود الكلام التي منها قوله أخيرا من غير قصد الحكاية و قوله (رحمه الله) في أول الكلام هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل فتخيل انه (رحمه الله) يريد مثل الاستثناء من تحريم سائر المحرمات مثل أكل الميتة في حال الضرورة و لذلك وجّه إليه الإيراد بأن مجرد الحاجة لا يكفى ما لم يبلغ حد الضرورة فالحاصل ان وجود غرض أخر داع الى صنع ذلك المثال يخرجه عن كونه معنونا بعنوان المثال فيخرج عن مضمون الاخبار لان مادة التمثيل مما قد أخذ فيه كون الداعي إلى الإقدام على العمل هو التشبيه و أورد عليه ايضا بعض مشايخنا بان هناك أمورا ثلاثة أحدها تصوير صورة الحيوان بان يكون الداعي هو التشبيه و التمثيل و هذا مما لا إشكال في حرمته و ليس مراده مما حكم عليه بالجواز قطعا و ثانيها ان يكون الداعي إلى العمل احداث اداة من دون قصد الى صيرورته بصورة الحيوان لكنه اتفق ان صار بتلك الصّورة و هذا مما لا يساعده العبارة لأنها مصدّرة بقوله و لو دعت الحاجة الى عمل شيء يكون شبيها بخلق اللّه و هو صريح في القصد الى عمل ذلك الشيء و اين ذلك من مجرد الاتفاق مضافا الى ان الحكم في مثله من البديهيات التي لا تليق بالتدوين في الكتب العلمية و ثالثها ان يكون الداعي إلى إحداث ما هو في صورة الحيوان هو الاكتساب و تحصيل المال بأن تجيء الناس و ينظرون إليه فيأخذ على نظرهم اليه من كل منهم شيئا و لا يكون الداعي هو التشبيه و التصوير و هذا هو الذي أراده (رحمه الله) من كلامه و لكن يتجه عليه ان جواز ذلك ليس قطعيا بل مشكوك ان لم ندع الحكم بعدم الجواز فلا وجه للقطع بجوازه هذا و أنت خبير بان ما ذكره من التفسير للعبارة المذكورة مما لا مساس له بها كما لا يخفى على من التفت الى ما ذكرناه من البيان مع ان نفس الفرض مما لا يستقيم له تصور فان القصد الى الاكتساب لا يوجب انفكاك العمل عن قصد التصوير بل لا ينفك منه واقعا لانه يريد الاكتساب بالتصوير فهو غاية التصوير و التصوير و الحكاية هو المقصود من العمل و الا لفعل للاكتساب فعلا أخر و أحدث أمرا غير ذلك و ليس حكم ما ذكره من الفرض إلا الحرمة قطعا و لا مجال للشك فيه لما بينا من عدم انفكاكه من كون الداعي إلى العمل هو التصوير و ان كان للتصوير (أيضا) داع أخر و هو الاكتساب فتدبر
قوله ثم ان المرجع في الصّورة إلى العرف فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء
فيصدق اسم الصورة و المثال على صورة الإنسان عرفا مع عدم تصوير قلبه و كبده و غيرهما من الاجزاء الباطنة بل قد يصدق مع نقص شيء من الأعضاء الخارجية الصغيرة خصوصا إذا لم يكن في الغالب مطمح الانظار بل لو صوّر الإنسان ذا يد واحدة صدق عليه انه إنسان الا ان يقصد تصوير شخص معين في الخارج فيمكن التشكيك في صدق ان هذا مثال ذاك و لكن الظاهر انه يقال في العرف ان هذا مثال ذاك غاية ما هناك انهم يقولون انه صوّره ناقصا هذا و ينبغي تتميم القول في المسئلة بالتنبيه على أمور الأوّل انه قال بعض الأساطين في شرحه على القواعد ما نصه و الأقوى إلحاق صورة الملك و الجني بالحيوان انتهى و قال في الجواهر الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجني بذلك بل قد يقوى جريان الحكم في تصوير ما يتخيله في ذهنه من صورة حيوان مشارك للموجود في الخارج من الحيوان في كلي الاجزاء دون إعدادها و أوضاعها مثلا و تصوير البيضة و العلقة و المضغة و بذر القز و نحو ذلك مما هو نشو الحيوان لا بأس به انتهى و أورد عليه بعض من تأخر بعدم الدليل على حرمة تصويرهما لقيام الدليل على حرمة تصوير الحيوان دون غيره كصحيحة محمّد بن مسلم سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن حرمة تماثيل الشجر و الشمس