غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧ - في تقسيم المكاسب
و تحصيل عنوان واجب منطبق على الاكتساب فلا يكون بهذا الاعتبار ممّا لوحظ مع قطع النظر عن العوارض فالوجه ان (يقال) ان ما لوحظ مع قطع النظر عن الاعتبارات المذكورة لا يتصف إلا بالإباحة إذ ليس حينئذ الا من قبيل الحركات و السكنات التي هي غير مشتملة على مصلحة أو مفسدة كالمشي و القعود و غيرهما في صورة عدم اشتمالها على غاية راجحة و مرجوحة الثاني ان أمثلة التقسيم الثلاثي هي بيع الأعيان النجسة و بيع الرقيق و البيوع المتعارفة الخالية عن وجهي الحرمة و الكراهة فالأول مثال للمحرم و الثاني للمكروه و الثالث للمباح و امّا أمثلة التقسيم الخماسي فهي ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة في ذيل قول الشهيد (رحمه الله) ثم التجارة و هي نفس التكسب تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة فالواجب منها ما يتوقف تحصيل مؤنته و مؤنة عياله الواجبي النفقة عليه و مطلق التجارة التي يتم بها نظام النوع الانسانى فان ذلك من الواجبات الكفائية و ان زاد على المؤنة و المستحب ما يحصل به المستحب و هو التوسعة على العيال و نفع المؤمنين و مطلق المحاويج غير المضطرين و المباح ما يحصل به الزيادة في المال من غير الجهات الراجحة و المرجوحة و المكروه و الحرام التكسب بالأعيان المكروهة و المحرّمة و قد تقدمتا انتهى و لكنك خبير بان جعل المكروه و الحرام من التكسب عبارة عما تعلق بالأعيان المكروهة و المحرمة يوجب عدم انطباق المثال على الممثل له لأنهما يصير ان (حينئذ) مثالا للتكسب المكروه و المحرم باعتبار ما تعلق به و قد عرفت مغايرة الأمرين و كان الاولى ان يمثل للمكروه بالتجارة ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس و للمحرم بالبيع وقت النداء فتدبر الثالث انه حكى عن الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (قدس اللّه سرّه) ان التجارات الواجبة يترتب على تركها العقاب لكونها مما تعلق به خطاب أصليّ و مقتضاه انه يترتب على مخالفته العقاب و هذا المقال موافق لما ذهب اليه الفاضل القمي (رحمه الله) من دوران الثواب و العقاب على المقدمات مدار الخطاب الأصلي فإن تعلق بها خطاب أصلي ترتب عليها الثواب و العقاب و الا فلا و لكنا قد أبطلناه في الأصول و بينا ان ترتب الثواب و العقاب على الشيء يدور مدار كونه مطلوبا لنفسه و ان الواجب الغيري لا عقاب عليه و كذا لا ثواب الا ان يأتي به بنية الانقياد فيثاب عليها و مجرد تعلق خطاب أصلي هو من قبيل الألفاظ لا يوجب مطلوبية نفسية في المطلوب لغيره و صدور اللفظ و عدم صدوره ممّا لا مدخل له في الثواب و العقاب كما لا يخفى على من راجع عقله الرابع انه ذكر المحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد في ذيل الكلام على انقسام الاكتساب إلى الخمسة ما لفظه و اعلم ان هذا ليس من مقصود العقود لان الفقيه يبحث عنها من حيث تصح و تفسد و من حيث تحل و تحرم اما من حيث تكون متعلق الثواب أم لا فان ذلك من غرض العبادة و ان كان لا محذور فيه لأن الشيء الواحد قد يكون معاملة و تضميمة شيء أخر يكون عبادة انتهى و قال في (المسالك) و اعلم ان غرض الفقيه بالذات من بحث العقود حكمها من حيث تصح و تفسد و امّا من حيث تجب أو تندب ليترتب عليها الثواب من وظائف العبادة أو من حيث تحرم فيترتب عليها العقاب فهو بالعبادة أشبه من حيث وجوب تركها لكن لا محذور في ذكر ذلك هنا استطراد باعتبار اختلاف جهة المكاسب فإنها قد تكون عبارة من جهة و معاملة من اخرى و كذا باقي العقود كالصلح و الإجارة و مثله النكاح انتهى و ظاهر ان مؤدى الكلامين أمر واحد و لكن لا يخفى ما فيه لان كون البحث عن وجوب الاكتساب و ندبه و حرمصه مثلا ليس موافقا لغرض الفقيه هنا و كون ذلك استطراد لا وجه له لانه اما ان يكون مبنيا على ان الفقيه ليس من شانه البحث عن الأحكام الطلبية المتعلقة بالاكتساب ففساده واضح لان غير الفقيه ليس من شانه البحث عنها و ان الفقيه هو الذي شأنه البحث عن الأحكام الشرعية اللاحقة للموضوعات طلبية كانت أو غيرها و اما ان يكون مبنيا على ان البحث عنها و ان كان من شأن الفقيه الا ان محلّه ليس هذا البحث بل غيره فهو ايضا واضح الفساد ضرورة ان البحث عن حرمة الاكتساب و وجوبه مثلا لا يليق بشيء من الأبحاث المتعلقة بالموضوعات المغايرة له فاختير نفسك هل نجد منها الرخصة في ان تقول ان محل البحث عن وجوب الاكتساب هو
كتاب الصلاة أو غيره من الأبواب و أورد عليه بعض من تأخر بوجوه أخر أوّلها ان الأحكام الوضعية ليست إلا منتزعة من الأحكام التكليفيّة فتلك فروع لهذه فجعل غرض الفقيه في المنتزع الّذي لا وجود له سوى وجود المنتزع منه و نفى المقصودية عن الأصل الّذي هو المنتزع منه لا وجه له و عندي ان هذا الإيراد مدفوع اما على مذاق من يرى ان الأحكام الوضعية أحكام متأصلة مجعولة كما هو مذهب جماعة فواضح و اما على مذاق من يرى أنها منتزعة من الأحكام التكليفية فلان مال البحث عن الصحّة و الفساد الى البحث عن أحكام تكليفية ينتزعان منها و في هذا المقام حكمان تكليفيّان أحدهما وجوب إيقاع نفس العقد مثلا في الاكتساب الواجب و الأخر وجوب لوفاء به بعد وقوعه سواء كان نفس إيقاعه واجبا أم لا و الّذي ينتزع منه الصحّة هو الثاني و الّذي يجري في التقسيم المذكور انما هو الأول فالقائل بكون الأحكام الوضعية منتزعة يصحّ له ان يقول ان الكلام هنا في صحة المعاملة مثلا و غاية ما هناك ان الحكم الوضعي عنده منتزع من الحكم الطلبي و ان إثبات الحكم الوضعي في كلامه يؤل الى ان هناك حكما طلبيا ينتزع منه هذا الحكم الوضعي ففيما نحن فيه الحكم الوضعي ينتزع من وجوب الوفاء بالعقد لا من وجوب إيقاعه فمراده (رحمه الله) على تقدير كونه ممن يقول بانتزاع الحكم الوضعي هو ان البحث الذي يوافق غرض الفقيه انما هو البحث عن وجوب الوفاء بالعقد لا عن وجوب إيقاعه ثانيها ان حديث ترتب الثواب و العقاب أجنبي عن وظيفة الفقيه بالمرة فإن الفقيه لا يبحث في العبادات التي هي متعلقات الأوامر و مطلوبات شرعية إلا عن كونها مسقطة للإعادة و القضا فاقحام ترتب الثواب و العقاب مما لا مساس له بالمقام و هذا الإيراد (أيضا) ساقط لان ذكر الثواب و العقاب في الكلامين المذكورين ليس لإفادة ان شأن الفقيه هو البحث عنهما حتى يقابل بما ذكر و انما وقع ذكر الثواب في كلام المحقق الثاني (رحمه الله) كناية عن الوجوب و وقع ذكره و ذكر العقاب في كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) بعنوان الغاية للوجوب و الحرمة و من المعلوم ان نفى كون الشيء مبحوثا عنه لا يستلزم نفى كونه غاية للمبحوث عنه و هو ظاهر ثالثها ان مجرد وجوب الترك لا يجعل الترك أشبه بالعبادة لاشتراك الوجوب بينها و بين غيرها و يدفعه انه لو كان الوجوب من خواص العبادة لم يتخلف عنها و لم يكن وجوده في غيرها سببا لكونه أشبه بالعبادة بل كان دليلا معينا لكونه عبادة فهو لما كان مع اشتراكه بين العبادة و غيرها انسب بالعبادة صار سببا لما اتصف به من غيرها أشبه بها الخامس ان ما ذكر كله انما هو بالنظر الى جنس التكسب و امّا أنواعه كالبيع و الصّلح و الإجارة و غيرها فقد ذكر في المستند في حكمها ما لفظه و الثاني يعني النوع ينقسم إلى أربعة أقسام هي غير الواجب إذ ليس من أنواع التكسب ما يكون واجبا من حيث هو الا على الوجوب الكفائي في بعض الأنواع انتهى و فيه تأمل لأن