غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨ - المسألة الثالثة يحرم بيع العنب ممن يعمله خمرا بقصد أن يعمله خمرا
بفحويها تعطى حرمة مقدمات فعل نفسه أيضا لأنه إذا حرم إيجاد المقدمة لغيره فايجادها لارتكاب الحرام بنفسه أولى بالحرمة و هذا حق فانا لو قلنا بعدم حرمة مقدمة الحرام لوجب علينا الالتزام بحرمة هذا النوع الذي يصدق عليها المعاونة لقيام دليل خاص عليها و هو قوله تعالى وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ و ثانيهما انه لا يعتبر في حرمة المقدمة التي اتى بها بقصد الوصول الى الحرام فعلية التوصل و تحققه و هو (كذلك) في المقامين اعنى ما لو كان المقدمة مقدّمة لفعل نفسه و ما لو كان مقدّمة لفعل غيره و يعتبر عن إيجادها بالمعاونة بل نقول انا لو اعتبرنا فعلية التوصل في الأول فلا نعتبره في الثاني و ان كان قد وقع الخلاف فيه فذهب جماعة الى أن الإعانة عبارة عن إيجاد مقدمة فعل تغير و لو من دون قصد و شعور بما يترتب عليه و ذهب اخرون إلى انّه قد اعتبر في مفهوم المعاونة القصد الى ترتب الفعل المعان عليه و ذهب ثالث الى اعتبار القصد و زيادة و هي وقوع المعان عليه في الخارج و بعبارة أخرى انضمام ذي المقدمة الذي هو فعل الغير في الوجود الخارجي الى ما قصد الوصول به اليه و هذا هو الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن بعض معاصريه و هو الفاضل النراقي (رحمه الله) في العوائد فهو يعتبر في تحقق مفهوم الإعانة بهذا الفعل انضمام ذي المقدمة إليه في الوجود الخارجي و حكى (المصنف) (رحمه الله) عنه (رحمه الله) انه يلتزم بعقابين عند وقوع الفعل المعان عليه أحدهما للتجري قبل وقوع المعان عليه و الأخر لتحقق الإعانة عند وقوع المعان عليه و ذهب رابع الى اعتبار أحد الأمرين من القصد الى ترتب المعان عليه و صدق الإعانة عرفا و هو الذي حكاه عن المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و استحسنه من حيث انه لم يعلق صدق الإعانة على القصد و لا أطلق القول بصدقه بدونه بل علقه بالقصد و بالصدق العرفي و ان لم يكن قصد الا انه (رحمه الله) فصل بين ما لو كان الفعل اعانة على المقدمة المشتركة بين الحرام و غيره و بين ما لو كان اعانة على ما هو علة تامة للحرام من دون مشارك له في العلية فحكم بالحرمة في الثاني دون الأوّل و جعل من قبيل الأول بيع العنب ممن يعلم انه يعمله خمرا لان البيع اعانة على الشراء الّذي هو مقدمة مشتركة بين جعله خمرا و غيره و ليس اعانة على نفس التخمير و أورد عليه بعض من تأخر بان الإعانة لا تدور الا مدار القصد الى حصول مقصود الغير و ضم حكم العرف بكونه اعانة من غير قصد لا وجه له إذ لا بد في حكم أهل العرف ايضا من معيار مركوز في أذهانهم يطلقون عليه المعاونة و الا فاللفظ لا يستعمل في شيء مجهول لا معيار و لا مناط له في أنظار المستعملين و امّا ما ذكره من مثال طلب الظالم العصي من شخص لضرب مظلوم فان ذلك و أمثاله (أيضا) داخلة فيما اقترن بالقصد فإن إعطاء ذلك الشخص انما يصير اعانة عند القصد و لما كان المقام بنوعه مما يقترن بالقصد ترى أهل العرف يكتفون في توجيه الدم اليه بمجرد مشاهدة الإعطاء و الا فلو اعتذر بالغفلة و عدم الالتفات الى غرضه الذي هو ضرب المظلوم لم يحكموا عليه بصدور الإعانة منه و تقاعدوا عن توجيه الذم و اللوم اليه فما ارتضاه المحقق المذكور (رحمه الله) و (المصنف) (رحمه الله) من جعل حكم العرف بكونه اعانة معيارا أخر في مقابلة القصد إلى إيجاد مقدمة فعل الغير ليتوصل الى ما يريده من المحرم لا وجه له أقول هذا الكلام وجيه في حد ذاته و لكن الذي أراه هو عدم صدق الإعانة إلا مع وقوع المعان عليه و ان شئت صدق المقال فلاحظ حال من قصد قتل غيره ثم ان شخصا ثالثا هيأ له جميع المقدمات القتل الى ان حضر وقت الشروع فندم مريد القتل و اعرض عنه فهل تجد من نفسك الرخصة في ان تقول ان أهل العرف يقولون ان فلانا أعان فلانا على قتل غيره أو ان غير العرب من أهل سائر الألسنة يطلقون ما هو ترجمة الإعانة في لغتهم على تهيئة المقدمات في الفرض المذكور فما تراه من إيجاد المقدمات ليس اعانة و انما يتخيل المطلع عليه انه إعانة بزعم ان ذا المقدمة يقترن به و لو كان منشأ زعمه مجرد العادة و تسارعه الى اعتقاد وقوع ذي المقدمة و امّا بعد الاطلاع على عدم وقوع ذي المقدمة فلا يقال انه أعانه عليه و انما يقال أراد إعانته عليه و
من نظر بعين البصيرة علم ان ما ذكرناه من الحق الذي لا مجال لمقابلته بالإنكار ثم ان بعض من تأخر دفع قول من قال باعتبار وقوع المعان عليه بانا لو فرضنا ان رجلين صنع كل منهما صلاحا لرجل ممن يريد التهجم على بيضة الإسلام من أهل الحرب ثم ان أحد المحاربين مضى الى الحرب و ترك الأخر فإنا نجد ان الصانعين متساويان في استحقاق الذم و اللوم و ان كان الفرق بينهما موجودا في العقاب من جهة ان الفعل الغير الاختياري لا يوجب العقاب لاستناده إلى أمر اختياري سابق عليه و لو كان وقوع المعان عليه شرطا كان اللازم اختصاص الصانع الذي مضى من صنع له السّلاح الى الحرب بالذم و ليس (كذلك) و أقول ان عدم استحقاق من لم يترتب على فعله وجود ذي المقدمة للعقاب مسلم لكن لا يلزم من ذلك عدم ترتب المعان عليه في صدق مفهوم الإعانة لأن ذلك من لوازم عدم القول بالعقاب على التجري بخصوصه و هذا كلام في معنى اللفظ و وضعه و شتّان ما بين المقامين و ما حكاه ذلك البعض في كلامه السّابق من التزام القائل باعتبار وقوع المعان عليه بعقابين انما هو من مصيره الى ثبوت العقاب على التجري فنحن نلتزم بعدم العقاب على التجري فنقول بعقاب واحد عند ترتب المعان عليه من جهة صدق الإعانة المنهي عنها و قبل ترتبه لا عقاب لانه ليس الا مجرد التجري و قد قلنا بأنه لا عقاب فالحاصل ان ترتب العقاب و عدم ترتبه لا دخل له بصدق مفهوم الإعانة على الإثم
قوله و يؤيده ما ذكروه من صدق الإعانة بدون القصد إطلاقها في غير واحد من الاخبار
اى استعمالها فإنها استعملت في معنى عار عن اعتبار القصد
قوله فلا يصدق على التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه انه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور
قال في المصباح عشرت المال عشرا من باب قتل و عشورا أخذت عشره و اسم الفاعل عاشر و عشار انتهى
قوله و لذا لو فرض ورود النهى عن معاونة هذا المشترى الخاص في جميع أموره أو في خصوص تملك العنب حرم بيع العنب عليه (مطلقا)
لا يخفى ما في شهادة ما استشهد به من الخفاء و كونه متفرعا على كون البيع إعانة بالنسبة إلى أصل تملك العنب و من المعلوم انه يعتبر في الشاهد كونه امرا واضحا مسلّما
قوله و البيع ليس اعانة عليه
اى على التجري لأن التجري انما يحصل هنا بالشراء المتلبس بقصد التخمير
قوله و توهم ان الفعل مقدمة له فيحرم الإعانة الفعل
عبارة عن الشراء و وجه التوهم ان الشراء الذي هو الفعل مقدمة للشراء بقصد التخمير باعتبار توقف المقيد على المطلق فيحرم الشراء المطلق بهذا الاعتبار و يصير البيع الذي هو اعانة عليه اعانة على المحرم
قوله مدفوع بأنه لم يوجد قصد إلى التجري حتى يحرم
يعنى انه لم يوجد من المشترى في الاقدام على الشراء إيجاده بقصد التجري حتى يكون الشراء من قبيل الإتيان بشرط الحرام توصلا اليه بعد تسليم حرمة التجري و قد عرفت ان في حرمة الإتيان بشرط الحرام توصلا فحاصل ما ذكره في رفع التوهم راجع الى الصّغرى بمعنى منع كونه من قبيل شرط الحرام المأتي به توصلا الى الحرام بعد تسليم حرمة التجري و ان كان المنع الذي ذكره بالنسبة إلى حرمة الشراء بقصد التخمير من قبيل منع الكبرى أعني حرمة الشرط المأتي للتوصل به الى الحرام و ان كان أصل كونه شرطا مأتيا به توصلا الى الحرام مسلما
قوله و الا لزم التسلسل
ظاهره انه لو كان الإتيان بالشراء بقصد إيجاد الإتيان بالشراء بقصد التخمير لزم التسلسل و هذا غير سديد لان مجرد وقوع فعل الشراء بقصد إيجاد الشراء المقصود به حصول الشراء بقصد التخمير لا يستلزم التسلسل ضرورة عدم لزومه الا بدعوى