غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٦ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
و الوجه في ذلك واضح لان الحفظ امانة في يده فلا يؤاخذ به لو تلف بدون تعد أو تفريط و الوصية به معرض للمال للتلف و زاد بعضهم بعد الحكم بان تعيين الحفظ أو التخيير بينه و بين الصدقة احتياطا خلاف الاحتياط انه كالاجتهاد في مقابلة النص و الفتوى و هو (كذلك)
قوله و يؤيده (أيضا) الأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين من اجزاء النقدين
إشارة إلى رواية على بن ميمون الصائغ قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما اصنع به قال تصدق به فاما لك و اما لأهله قلت فإنّه فيه ذهبا و فضة و حديدا فبأيّ شيء أبيعه فابعه بطعام قلت فان كان لي قرابة محتاج أعطيه منه قال نعم و بسند أخر عن على الصائغ قال سئلته عن تراب الصواغين و انا نبيعه قال اما تستطيع ان تستحله من صاحبه قال قلت لا إذا أخبرته اتهمني قال بعه قلت بأي شيء نبيعه قال بطعام قلت فأيّ شيء اصنع به قال تصدّق به اما لك و اما لأهله قلت ان كان ذا قرابة محتاجا أصله قال نعم و الظاهر ان قوله (عليه السلام) امّا لك و امّا لأهله إشارة إلى أنّه ان كان اهله قد اعرض عنه و جعله لك كان ثوابه لك و ان كان لم يعرض عنه كان ثوابه له ثم ان بعض من تأخر استشكل في العمل بهاتين الروايتين من جهة انّه كيف يجوز التصدق بمال معلوم المالك فإن إعطاء مال هو حق الإنسان لغير ذي الحق مما لا وجه له و كتب صاحب الوسائل في الحاشية ما ينبئ عن بيان كون التصدق يعود نفعه الى المتصدق و عن رفع هذا الاشكال قال (رحمه الله) لعل وجه التصدق به ان أربابه قد تركوه و لم يطلبوه مع العلم عادة بوجوده و ما اعرض عنه المالك و علم منه إباحته جاز التصرف فيه كما يأتي في اللقطة و غيرها مع كونه قليلا دون الدرهم غالبا و جهالة مالكه (أيضا) في الغالب انتهى و لكن غلبة جهل المالك لا تفيد رفع الإشكال في خصوص المورد الذي عرف المالك بعينه كما هو ظاهر الرواية الثانية لكن الاستشكال في اخبار أهل البيت (عليه السلام) بأمثال ذلك مما لا وجه للإقدام عليه لان ترخيص المالك الحقيقي العالم بالمصالح الكامنة هو الأصل الأصيل و ما أبعد ما بين التعرض لهذا الإشكال الذي وجهه الى العمل بالخبر في مورده و بين ما التزم به في وجوب الفحص في هذه المسئلة من كون مستنده ما دلّ على وجوب الفحص عن وديعة اللص مع تغاير الموردين استنادا الى ان المناط واحد
قوله و اما بملاحظة ورود النص بالتصدق (فالظاهر) عدم جواز الإمساك أمانة لأنه تصرّف لم يؤذن فيه من المالك و لا الشارع و يبقى الدّفع الى الحاكم و التصدّق و قد يقال ان مقتضى الجمع بينه و بين دليل ولاية الحاكم هو التخيير بين الصّدقة و الدفع الى الحاكم
اختلفوا في لزوم مباشرة التصدّق بنفسه أو بوكيله و لو كان هو الحاكم من جهة استنابة المكلف القابض إياه لا من جهة حكومته فيه على أقوال أحدها الإثبات و هو الذي استظهره بعض المعاصرين من كثير منهم استنادا الى ظهور النص و الفتوى في لزوم المباشرة ثانيها لزوم دفعه الى الحاكم لتوقف يقين البراءة عليه و لو بملاحظة انه وكيل عمن بيده المال ان لم يكن له ولاية في الواقع على ذلك أو لأنّه ولي الغائب فالايصال اليه بمنزلة الإيصال إلى المالك أو لأن مجهول المالك للإمام (عليه السلام) كما استظهره (المصنف) (رحمه الله) من رواية داود بن ابى يزيد و الحاكم نائب عنه (عليه السلام) فلا بد من دفعه إليه كسائر حقوقه (عليه السلام) و لا فرق بين كون مجهول المالك ملكا له (عليه السلام) و بين رجوعه اليه (عليه السلام) لولايته (عليه السلام) لصدق الصاحب المذكور في الرواية المشار إليها عليهما معا و احتمال ان خصوص هذا المال قد كان ضائعا منه (عليه السلام) فيكون من معلوم المالك و قد تبرع (عليه السلام) بدفعه الى شيعته فيخرج عن المقام بعيد جدا ثالثها ما ذهب اليه صاحب الجواهر (رحمه الله) من الحكم بالتخيير بين التصدق و الدفع الى الحاكم و انه ليس له التراخي عن فعل أحدهما فلكل منهما الولاية و مستنده الجمع بين ما دل على ولاية الحاكم و بين اخبار التصدّق و التحقيق ان يقال ان اخبار التصدق ظاهرها كون المأمور بفعله هو من بيده المال و إنكار ذلك ينشأ من عدم التدرب في أساليب الكلام بل من عدم التدرب في مداليل الخطابات ضرورة ان الأمر يقتضي مباشرة المأمور للمأمور به حتى يكون فعلا له و الا لم يكن من أفعاله و تقييده بكون الفعل بواسطة الغير يفتقر الى مقيد ينفيه الأصل لو شكّ في وجوده أو قابليته للتقييد كما هو مقرر في الأصول و احتمال ان الأمر بالتصدق قد ورد في مقام الاذن من الامام (عليه السلام) للمخاطب في الفعل الذي هو التصدق لولايته عليه قد يدفع بأنه إذا دار الأمر في أمر الإمام (عليه السلام) بين كونه من باب الولاية و كونه من باب بيان الحكم الشرعي المعبّر عنه بالإفتاء بنى على الثاني لكن الإنصاف انه ممنوع لاشتراكهما في كونهما من وظيفة المعصوم (عليه السلام) و عدم غلبة أحدهما بالنسبة إلى الأخر و عدم اعتبار الغلبة في مثل المقام لو سلمنا وجودها إلا انا نقول ان مرسل السرائر الذي هو العمدة في المقام صريح في الحكم و رواية أبي حمزة ظاهرة لان قوله (عليه السلام) تصدقت جملة خبرية ماضويّة أريد بها الإنشاء فهي ظاهرة في الوجوب دون الاذن كما حققناه في الأصول فتأمل و لكن بعد الالتفات إلى رواية داود بن ابى يزيد و الجمع بينهما يصير المحصل هو التصدق بإذن الإمام (عليه السلام) لكونه وليّا و الإنصاف ان تلك الرواية مجملة محتملة لأن يكون المال قد ضاع من الامام (عليه السلام) و تبرع بالتصدق و محتملة لأن يكون المراد به أنّه لا ولاية لأحد عليه إلّا لي و محتملة لأن يكون المراد انّه لا يملكه لكونه مجهول المالك إلا أنا بل يحتمل ان يكون قد استعار الصاحب لنفسه لمشابهته له في تحصيل البراءة له و ان كان من جهة بيان ما يرتفع به الاشكال و الخوف الذي كان حاصلا للسائل و مع ذلك فهي مشتملة على ما هو موهن لكونه من باب الولاية لأن المذكور فيها انه استحلفه ان يدفعه الى من يأمره و ذلك لان الرّجل لو كان ثقة مأمونا كان للوالي أن يستأمنه من دون استحلاف و لو كان غير مأمون لم يجز استيمانه و على التقديرين فالاستحلاف مما لا مجال له بل هو انسب بكونه قد ضاع منه (عليه السلام) و لم يكن الرجل ثقة فاستحلفه لإلزامه بما يأمره من التصدق بماله الا ان يقال ان مجهول المالك ملك الامام (عليه السلام) و (الظاهر) ان هذا لم يقل به أحد بدليل حكمهم بان من بيده يتصدق به خصوصا مع كون رواية داود بن يزيد في اللقطة كما فهمها الأصحاب و تمسكوا بها في ذلك الباب و ذكرها في الوسائل في باب التصدق باللقطة و قد ورد بيان الامام (عليه السلام) للتصدق باللقطة في جواب من سئله عن حكمها بفعله فعن زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن اللقطة فأراني خاتما في يده من فضة فقال ان هذا مما جاء به السيل و انا أريد أن أتصدق به فالوجه هو جواز تصدقه بنفسه و لا يجب عليه الدفع الى الحاكم إذ لم يثبت من النصوص و الفتاوى ولايته على مجهول المالك
بهذا المعنى اعنى وجوب دفع من بيده المال اليه بحيث لو تصدق هو بنفسه لم يكن جائزا و ان ادعى في الجواهر في كتاب اللقطة في مسئلة وديعة اللص ظهور كلماتهم في كون الامام (عليه السلام) هو الولي في مثل ذلك فإنّه ممنوع و ذلك لان كون الامام (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم كالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ليس معناه الا ما ذكره اللّه عز و جلّ في كتابه بقوله وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ و اين ذلك