غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥١ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
لك فهؤلاء الجماعة يقولون بالحلّ حتّى لو كانت الجائزة من قبيل المشتبه بالمحصور غاية ما في الباب ان المتعرضين منهم لمدرك حل المشتبه بالمحصور افترقوا فمنهم من استند إلى القاعدة و هي صيرورتها بمنزلة المستهلكة لعدم القدرة على ردها بعينها و منهم من استند الى النص و سلك صاحب الجواهر (رحمه الله) في المقام مسلكا أخر فإنه حكم بالحل مع اشتباه الجائزة في محصور لكن رد ذلك الى الشبهة الغير المحصورة و بنى على كون حكم الاخبار من حل جوائز الجائر مطابقا للقاعدة قال (رحمه الله) و العلم بان في ماله محرما غير قادح فضلا عما لم يعلم و ان علمت انه يأخذ الأموال ظلما فالظالم (حينئذ) بعد ملاحظة صنعه من كلّ ذي مال مختلط حرامه بحلاله كالعشار و السّارق و المربي و المرتشي و من لم يخرج الحقوق و نحوهم و ملاحظة ما تحت أيديهم من الأموال يندرج في غير المحصور من الشبهة الذي سقط التكليف باجتنابه من باب المقدمة للعسر و الحرج المنفيين آية و رواية و لا يقدح في ذلك ان كلّ واحد منهم لولا حظته بخصوصه كان من الشبهة المحصورة ضرورة عدم الخصوصية عقلا و شرعا لاحادهم فليس هم (حينئذ) إلّا صنفا واحدا مندرجا في غير المحصور لما عرفت و الحصر في أفراده غير مجد إذ أقصاه تعدد الشبهة المحصورة فيجري عليها حكم عدم وجوب الاجتناب انتهى و في مقابل ما عرفت من الحكم يحلّ أخذ المشتبه بالمحصور بشيء من الوجوه المذكورة في كلمات من تقدم ذكرهم القول بوجوب الاجتناب و حرمة الأخذ كما صدر من (المصنف) (رحمه الله) و فصل بعض الأساطين في شرحه على القواعد بين جوائز السّلطان و بين غيرها من جوائز غيره فحكم في الأولى بالحلّ (مطلقا) حتى فيما لو علم اقدامه على الإعطاء من المشتبه المحصور استنادا إلى الإجماع و الاخبار و فرق في الثانية بين ما لو لم يعلم اقدامه على المشتبه المحصور فأجازا الأخذ و بين (صح) ما لو علم اقدامه على المشتبه المحصور فلا يجوز الأخذ هذا فيما لو كان في كلّ منهما تصرف هو من فعل المعطى و ان كان بالإشارة إلى معين اما لو لم يكن هناك فعل من المعطى يستند إليه الأخذ كالأخذ للمقاصة و الأكل للمارة في الجائر و غيره و هما لو أشار الجائر بخصوصه الى مبهم فحكم بالحرمة قال (رحمه الله) فيما حكى عنه و لو لم يعلم كون الجوائز غصبا جاز أخذها من الجائر (مطلقا) للإجماع و الاخبار و من غيره ما لم يعلم اقدامه على المشتبه المحصور لقضاء اليد و أصالة الصحّة فيجوز الأخذ (حينئذ) و ان جاء بها من دار أو دكان أو حجرة أو صندوق فيه غصب أو أشار الى معين من جملة كذلك و لا يعلم حصوله في المدفوع و المعين و لو أشار الى منهم منها قوى المنع كالأخذ للمقاصة و الأكل للمارة لو جاز و للدخول تحت رفع الجناح الا بعلاج عملا بالأصل في غير محلّ النص انتهى فقوله (رحمه الله) فيجوز الأخذ (حينئذ) (انتهى) تفريع على حكم الجائر لكون المفروض من قبيل الشبهة المحصورة و الضمير في قوله و لو أشار الى مبهم يعود إلى الجائر فيكون التشبيه بالأخذ بالمقاصة و أمثالها من أحكام جوائز الجائر لكن يعلم منه حكم جوائز غير الجائر في المشبّه و المشبّه به امّا بالمساواة أو بالأولوية فتدبر ثمّ ان تحقيق القول في المسئلة يتم بالتعرض لما ذكروه من الوجوه و المسالك فنقول اما ما ذكره ابن إدريس (رحمه الله) فلا وجه للاستناد اليه و الاعتماد عليه لانه ليس نصا من الشارع و لا قاعدة مستفادة منه و لا مما قام عليه الإجماع و لا دليل العقل و اما ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في لك من النص على خروج الجوائز عن قاعدة الشبهة المحصورة فلا وجه للتعويل عليه أيضا إذ لا نص يصحّ الاعتماد عليه في الخروج عن حكم الشبهة المحصورة الّذي هو وجوب الاجتناب و ذلك لان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من النصوص قد عرفت حالها و اما ما لم يذكره (رحمه الله) منها مما يتخيل الاستناد إليها في المسئلة فهو على أقسام أحدها ما دلّ على حلّ ما يأخذه السّلطان من الخراج و المقاسمة و هذا القسم لا دخل له بهذه المسئلة و لهذا أفردوا مسئلة الخراج و المقاسمة (صح) عن هذه ثانيها مثل خبر الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) عن الرجل منا يشترى من السّلطان من إبل الصّدقة و غنمها و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم فقال (عليه السلام) ما الإبل و الغنم الا مثل الحنطة
و الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه الحديث و الغرض المسوق له الكلام في هذا الحديث بعد كون حل الصدقات و أمثالها مما يأخذه الجائر مما كان من شأن السّلطان العادل أخذه من المسلمات و انما نشأ الشبهة من أخذه زيادة على الحق المقرر فقد سئل السّائل عن جواز الشراء من العامل الذي يأخذ أزيد من الحق ليسر بان الشبهة في حل ما يأخذه من جهة كونه أزيد من الحق فأجاب الإمام (عليه السلام) بأن إبل الصدقة ليس حالها الا مثل سائر الأشياء بأسرها كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك فكما يحكم في سائر الأشياء بأن مجرد احتمال وجود الحرام فيما يأخذه لا يوجب حرمة الأخذ عليه (كذلك) إبل الصدقة التي يأخذها السّلطان و عامله فيصير الحديث من حيث مسلمية حلّ الصدقات التي يأخذها الجائر و كون سريان الشك في الحل من جهة أخذ العامل زيادة على الحق دليلا على حكم المسئلة الاتية في كلام (المصنف) (رحمه الله) و لا يدل على حكم هذه المسئلة التي هي جواز أخذ ما يعطيه الجائر إذا كان من قبيل المشتبه بالمحصور بل سؤال السّائل و جواب الامام (عليه السلام) ناظر ان الى الشبهات الابتدائية لأنه من أخذ عامل السّلطان زيادة على الحق يجيء الشك في دخول ما أخذه من الزائد في المال الذي يشتريه فأجاب (عليه السلام) بان حال الصّدقات المذكورة حال سائر الأشياء فكما لا يلزم فيها الاجتناب بواسطة الشكّ الابتدائي كذلك فيما نحن فيه و من هنا يعلم عدم جواز الاستدلال على جواز أخذ المشتبه بالمحصور برواية إسحاق قال سئلته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم فقال (عليه السلام) يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه أحد و المرسل قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اشترى الطعام فيجيئني من يتظلم يقول ظلموني فقال (عليه السلام) اشتره و خبر معاوية قال قلت له اشترى من العامل الشيء و انا اعلم انّه يظلم فقال (عليه السلام) اشتر منه و رواية البصري قال سئلته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم فقال (عليه السلام) يشترى منه و ذلك لان هذه الاخبار لم تتضمن الا ان العامل يظلم و كونه يظلم لا يستلزم العلم بدخول ما أخذه ظلما في خصوص المال الذي يشترى منه و كذا تظلم المأخوذ منه و اخباره عن كون العمال ظلموه فإنه لا يستلزم كون ما أخبر عنه من الظلم متعلقا بالمال الذي اشترى منه مضافا الى ان مجرد اخباره لا يفيد العلم و لا يوجب الاجتناب ثالثها ما كان من قبيل رواية محمّد و زرارة قالا سمعناه يقول (عليه السلام) جوائز العمال ليس بها بأس و هذا القسم لا يتأتى منه شمول المشتبه بالمحصور لكونه أندر افراد جوائز العمال و السّلاطين فهو بمنزلة قوله (عليه السلام) كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فكما ان ذلك محمول على المشتبه بغير المحصور أو كان خارجا عن طرف الابتلاء بحكم ما دل على وجوب الاجتناب عن المشتبه بالمحصور فكذا هذه بل هذه اولى بعدم الدّلالة لعدم تحقق الإشارة فيها إلى صورة العلم الإجمالي فيمكن ان يقال ان الإطلاق لا ينصرف إليها فتحصل مما ذكرناه انه ليس في المقام نص يدل على خروج ما نحن فيه عن حكمة الشبهة المحصورة و اما ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) فيتجه عليه أوّلا ان المال الحرام جنس تحته أنواع كثيرة مثل ما أخذه العشار أو سرقة السّارق أو الربا الذي