غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٨ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به
كلام شارح القواعد لانه عبّر بتضاعف الوجوب و معلوم انه لا يتحقق إلا إلا بتحقق وجوبين فلا يتحقق بوجوب و ندب بل نقول ان قوله (تعالى) وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا يدل الا على انّ العهد المأمور بالوفاء به انما هو المسئول عنه و ليس الا الواجب فيختص حكم الآية بما يجب الوفاء به من العقود و العهود فلا يشمل الجائزة مضافا الى إمكان منع صدق العهد على العقود الجائزة أو منع انصرافه فتدبر
قوله و ان أريد ان تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص فلا ريب الى قوله بحكم الوجدان
أورد عليه بعض من تأخر بأنا نختار الشق الثاني فليس مراده ان تضاعف الوجوب يؤكد اشتراط الإخلاص بل مراده ان تضاعفه يؤكد تحقق الإخلاص و (حينئذ) نقول ان ما أورده (المصنف) (رحمه الله) عليه من ان ذلك مخالف للواقع لان ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص يدفعه ان مراد الشارح القواعد من تأكد الإخلاص هو حصول جهات متعددة يتحقق بها الإخلاص و يتيسر و ان كان بعضها تعبديا و بعضها توصليا و لا مانع من قصد الإخلاص بالواجب التوصلي لأنه قابل له فإذا تعدد جهة الوجوب تعدد جهة تحصل الإخلاص لقابلية كل منهما لقصده و تعدد الجهة في ثبوت حكم لشيء واحد ليس بعزيز الا ترى ان من زنى و ارتد اجتمع فيه جهتان لوجوب القتل و هذا الوجه (أيضا) وجدته في كلام المعاصر المذكور حيث قال بعد العبارة التي حكيناها عنه ما لفظه و منه يظهر اندفاع الثاني (أيضا) إذ لا يلزم من عدم شرطية فيه عدم إفادته للتأكيد على الوجه المذكور ثم قال مع ان أخذ الأجرة إذا كان راجحا و لو بالعارض أفاد التأكيد المزبور ايضا و لعله المراد لكنّه بعيد جدا انتهى
قوله مع ان الوجوب الناشي من الإجارة انما يتعلق بالوفاء بعقد الإجارة و مقتضى الإخلاص المعتبر في ترتب الثواب على موافقة هذا الأمر و لو لم يعتبر في سقوطه هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له بإزاء ماله فهذا المعنى ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه (تعالى) إيّاه
أورد عليه بعض المعاصرين بقوله و اما الثالث فيرد عليه منع كون ذلك مقتضى الإخلاص في الأمر الإجاري مثلا بل مقتضاه انما هو إتيان العمل المستأجر عليه و تسليمه الى صاحبه امتثالا لأمر اللّه تعالى به و ذلك غير مناف لوجوب إتيانه لأجل أمره تعالى به فهو (حينئذ) قادر على إيجاد الفعل الصحيح و دعوى عدم قابلية ما كان من قبيل العبادة لذلك لا تخلو عن مصادرة كدعوى قادحية الغرض الحاصل من غيره تعالى سيما بملاحظة عوده اليه تعالى من جهة تشريعه تعالى لذلك مع انه لا حسن فيه بعد تسليم ورود النقض عليه إذ يكشف ذلك عن فساده في الواقع و ان عجزنا عن منع بعض مقدماته كما هو الشأن في نظائره و الفرق بين العبادات المستأجر عليها و بين المقام تعسف بيّن بل لا بأس بجعل المقام ايضا من قبيل النيابة فيكون الإنسان مخيرا بين ان يصلّى على الميّت لنفسه فلا يستحق الأجرة أو يصلّى عن الباذل لها فيستحقها و لا يكون مصلّيا لنفسه على نحو ما قيل به في الجهاد و عدم كونه عبادة غير قادح في ذلك و دعوى ان ذلك خلاف المفروض هنا محلّ منع نعم لو علم اشتراط المباشرة و عدم شرعية النباته في بعض الواجبات لم تصحّ عليه المعاملة و دعوى ان كل واجب كفائي كذلك محلّ منع فتأمل جيدا انتهى
قوله و اما تأتي القربة في العبادات المستأجرة فلان الإجارة انما تقع على الفعل المأتي به تقربا الى اللّه (تعالى) نيابة عن فعلان
توضيحه ان الشخص يجعل نفسه نائبا عن فعلان في العمل متقربا الى اللّه فالمنوب عنه يتقرب اليه تعالى بعمل نائبه و تقربه (انتهى) قال المحقق بهبهاني (رحمه الله) في حواشي المسالك ما نصه و اما منافاة الأجرة لقصد الإخلاص في العبادات ففيه ان نفس الإجارة لا تحتاج إلى النية و انما المحتاج فعل نفس العبادة و الإجارة من العقود اللازمة شرعا و بعد اللزوم الشرعي يجب الوفاء (فحينئذ) يتحقق القربة و الإخلاص كما إذا حلف أحد ان يفعل شيئا أو يصلّى عن ميت فقبل الحلف لم يكن واجبا عليه و بعده صار واجبا و عند الفقهاء ان الملتزم بالنذر و العهد و اليمين و الإجارة حالها واحد و قد عرفت السبب نعم إذا كان الفعل بقصد الأجرة في صورة عدم تحقق اجارة و من جهة لم يكن صحيحا و إذا فعل اللّه تعالى من حيث انه تعالى يحبّ الإحسان الى أهل الإيمان فهو صحيح فإذا اعطى بعد الفعل الصّحيح شيئا إحسانا من جهة ان جزاء الإحسان إحسان يمكن ان يكون أخذه صحيحا و حلالا من هذه الجهة لأنّه عوض و اجرة (فتأمل) و يمكن ان يقال ان نفس العبادة انما تتحقق نيابة فهي فعل المنوب عنه لا النائب (فكذلك) نية العبادة فكأنه ينوي انى آت بنية المنوب عنه التي منها قصد الإخلاص من المنوب عنه فكما أنّ الصّلوة مثلا ليست صلاة النائب (فكذلك) لنية ليست نيته فكأنه يقول انوى عن فلان كذا و كذا لا انا انوى كذا و كذا (فتأمل) مع انه إذا كان أخذ لاجرة برضى اللّه تعالى و تحصيل ضروري معاشه فيمكن أن يتأتى قصد الامتثال و القربة فتأمل انتهى و لكنك خبير بأنه يرد على الوجه الأول ما أورده (المصنف) (رحمه الله) على من قال ان تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص من ان الوجوب الحاصل بالإجارة توصلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة و على الوجه الأخير ان وجوب تحصيل المال لضروري العيش لا يوجب صيرورة العمل الذي أخذ بإزائه المال مما يمكن التقرب به مع كونه يأتي به لتحصيل المال الذي هو عوض و أجرت و اما الوجه الأوسط (فالظاهر) ان المراد به هو ما حققه (المصنف) (رحمه الله) و أورد بعض من تأخر على ما حققه (رحمه الله) أوّلا بأن أمر النيابة لو كان منوطا بتنزيل النائب بنفسه منزلة المنوب عنه و إتيانه بالعمل و التقرب به بعنوان انه منوب عنه حتى ان المنوب عنه هو المتقرب في الحقيقة كما يعطيه كلامه (رحمه الله) كان اللازم على الفقهاء ان ينبهوا عليه لان هذا المعنى الذي ذكره معنى دقيق لا يتنبه له العوام بل كثير من الخواص فإذا فرض كونه قوام عمل النّواب لزم بيانه لئلا تبطل أعمالهم مع انا نرى انهم لم يبينوا و ان النّواب في العبادات بأسرها لم يفهموا الدقيقة المذكورة فلا يلتفتون الى التنزيل المذكور فيلزم على ما ذكره (رحمه الله) إهمال الفقهاء رضى اللّه عنهم لأمر واجب يعم به البلوى و عدم صحة شيء من اعمال النواب حيث انهم لا ينزلون أنفسهم منزلة المنوب عنه في مقام الإتيان بالعمل المستأجر عليه و ثانيا بان ذلك مخالف لظاهر ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في خصوص استيجاره رجلا ليحج عن ابنه إسماعيل حيث قال (عليه السلام) في ذيل كلامه يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما أنفق من ماله و كان لك تسع بما أتعبت من بدنك و مثله قوله (عليه السلام) في رواية أخرى و لك تسع و له واحدة فإن ظاهرهما ان العامل هو المتقرب بالعمل و الا لم يكن للرجل تسع من الثواب و على ما أفاده (رحمه الله) لا يكون المتقرب بالعمل الا المنوب عنه وحده و لا يستحق الثواب الا هو فلا يكون للعامل شيء من ذلك ثم ان المورد اشهد لما ادعاه من كون المتقرب هو العامل بقول المحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد فإنه (رحمه الله) قال في كتاب الإجارة في ذيل