تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٣٢ - كفأ كفأ
قلت: و هو أَي الإِكفاء أَحَدُ عيُوبِ القافية السّتَّة التي هي: الإِيطاءُ، و التَّضمينُ، و الإِقواءُ، و الإِصرافُ، و الإِكفاءُ ، و السِّنادُ، و في بعض شُروح الكافي: الإِكفاءُ هو اختلافُ الرَّوِيِّ بحُروفٍ مُتَقَارِبَةِ المخارج، أَي كالطَّاءِ مع الدَّالِ، كقوله:
إِذَا رَكِبْتُ فاجْعلاني وَسَطَا # إِنِّي كَبِيرٌ لاَ أُطِيقُ العُنَّدَا
يريد العُنَّتَ، و هو من أَقبح العيوب، و لا يجوز لأَحد من المُحدَثين ارتكابه، و في الأَساس: و من المجاز: أَكْفَأَ في الشِّعْرِ: قَلَب حَرْفَ الرَّوِيِّ من راءٍ إِلى لامٍ، أَو لامٍ إِلى ميمٍ، [و نحوِه من الحروفِ المُتقارِبةِ المَخْرَجِ، أَو مخالفةِ إِعرابِ القوافي] [١] ، انتهى. أَوْ أَكفأَ في الشعر إِذا أَقْوَى فيكونان مُتَرادِفَيْنِ، نقله الأَخفشُ عن الخَليل و ابن عبدِ الحَقّ الإِشْبِيلي في الواعي و ابن طريف في الأَفعال، قيل: هما واحد، زاد في الواعي: و هو قَلْبُه القافية من الجَرِّ إِلى الرفع و ما أَشبه ذاك، مأْخوذٌ من كَفَأْتُ الإِناء:
قَلَبْتُه، قال الشاعر[النابغة الذبياني]:
أَفِدَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا [٢] # لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَ كَأَنْ قَدِ
زَعَمَ الغُدَافُ بِأَنَّ رِحْلَتَنَا غَداً # وَ بِذَاكَ أَخْبَرَنا الغُدَافُ الأَسْوَدُ
و قال أَبو عُبيدٍ البكريُّ في فَصْلِ المَقال: الإِكفاءُ في الشعر إِذا قُلْتَ بَيْتاً مرفوعاً و آخرَ مخفوضاً، كقول الشاعر:
و هَلْ هِنْدُ إِلاَّ مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ # سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ [٣]
فَإِن نُتِجَتْ مُهْراً كَرِيماً فَبِالْحَرَى # وَ إِنْ يَكُ إِقْرَافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحْلِ
أَوْ أَفْسَدَ في آخِرِ البَيْتِ أَيَّ إِفْسَادٍ كانَقال الأَخفش: و سأَلت العربَ الفُصحاءَ عنه [٤] ، فإِذا هم يَجعلونه الفسادَ في آخرِ البيت و الاختلافَ، من غير أَن يَحُدُّوا في ذلك شيئاً، إِلا أَني رأَيتُ بعضَهم يَجعله اختلافَ الحروفِ، فأَنشدته:
كَأَنَّ فَا قَارُورَةٍ لم تُعْفَصِ # مِنْها حِجَاجَا مُقْلَةٍ لَمْ تُلْخَصِ
كَأَنَّ صِيرَانَ المَهَا المُنَقِّزِ
فقال: هذا هو الإِكفاءُ ، قال: و أَنشده آخرُ قَوافِيَ على حُروفٍ مُختلفةٍ، فعَابِه، و لا أَعلمه إِلاَّ قال له: قد أَكْفَأْتَ .
و حكى الجوهريُّ عن الفرَّاءِ: أَكفَأَ الشاعرُ، إِذا خالف بين حَركات الرَّويِّ، و هو مِثْلُ الإِقواءِ، قال ابنُ جِنّي: إِذا كان الإِكفاءُ في الشّعْرِ محمولاً على الإِكفاء في غيرِه، و كان وَضْعُ الإِكفاء إِنما هو للخلافِ و وقوعِ الشيْءِ على غيرِ وَجْهِهِ لمْ يُنْكَرْ أَنْ يُسَمُّوا به الإِقواءَ في اختلافِ حرف الرَّوِيّ [٥] جميعاً، لأَن كلَّ واحدٍ منهما واقعٌ على غيرِ استواءٍ، قال الأَخفش: إِلا أَني رأَيتهم إِذا قَرُبتْ مَخَارجُ الحُروف، أَو كانت من مَخرَجٍ واحدٍ ثم اشتَدَّ تَشابُهُهَا لم يَفْطُنْ [٦] لها عَامَّتُهم، يعني عامَّةَ العربِ، و قد عاب الشيخُ أَبو محمد بن بَرِّيٍّ على الجوهريِّ قولَه: الإِكفاءُ في الشعر:
أَن يُخالَفَ بين قَوَافِيه فتَجْعَل [٧] بعضَها ميماً و بعضَها طاءً، فقال: صوابُ هذا أَن يقول: و بعضَها نُوناً، لأَن الإِكفاءَ إِنما يكون في الحروف المتقارِبة في المَخْرَجِ، و أَمَّا الطاءُ فليستْ من مَخْرَج المِيمِ [٨] . و المُكْفَأُ في كلامِ العربِ هو المقلوبُ، و إِلى هذا يَذهبون، قال الشاعر:
وَ لَمَّا أَصَابَتْنِي مِنَ الدَّهْرِ نَزْلَةٌ # شُغِلْتُ وَ أَلْهَى النَّاسَ عَنِّي شُؤُنُهَا
إِذَا الفَارِغُ المَكْفِيُّ مِنْهُمْ دَعَوْتُهُ # أَبَرَّ وَ كَانَتْ دَعْوَةً تَسْتَدِيمُهَا
[١] ما بين معكوفين ليس في الأساس.
[٢] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله أفد كذا بخطه و في نسخ أزف و كلاهما بمعنى قرب اهـ».
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله تجللها هكذا بخطه بالجيم و في بعض نسخ الصحاح بالحاء المهملة و في بعضها بالخاء المعجمة اهـ».
[٤] اللسان: عن الاكفاء.
[٥] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله «حرف الروي»هكذا بخطه و بالنسخ أيضاً»و في اللسان: حروف الروي.
[٦] اللسان: لم تفطن.
[٧] اللسان: «فيجعل»و ليست في الصحاح.
[٨] عبارة الصحاح: و الإكفاء في الشعر: أن يخالف بين قوافيه بعضها ميم و بعضها نون، و بعضها دال و بعضها طاء، و بعضها حاء و بعضها خاء و نحو ذلك.