تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٠٠
يتضح له الطريق، و لم يهتد لوجه العذر، فاستفهم عنه فقال: وَ بِمَأَي بأَي شيءٍ. أَعتَذِرُأَرشدوني. مِن حَمْلِ الدُّرِّ مِن أَرضِ الجبالو هي المعروفة اليوم بعراق العجم، و هي ما بين أَصفهان إِلى زنجان و قزوين و همذان و الدينور و قرميسين و الري و ما بين ذلك من البلاد و الكُوَر. إِلى عُمَان كغُراب كُورة على ساحل اليمن، تشتمل على بلدان، أَي إِن الدرَّ كثيرٌ في عُمَان المعبّر به عن الممدوح، و قليل بالنسبة إِلى الجبال المعبَّر به عن المُهدِي، و هو نظير قولهم: كجالِب التمر إِلى هَجَر، قال شيخنا: يعني أَن الهديّة شأْنُها أَن تكون أَمراً غريباً لدي المُهدَى إِليه، و من يُهدِي الدرَّ إِلى عُمان، و التمر إِلى يَثْرِب و نحو ذلك، يأْتي بالأَمر المبتَذل الكثير الذي لا عبرة به في ذلك الموضع.
وَ أَرَى البحرَالجملة حالية. يَذهَبُ ماءُ وَجْهِهِأَي يضمحلّ، و هو كناية عن التجرُّد عن الحياء، و قِدماً قيل:
وَ لاَ خَيْر في وَجْهٍ إِذَا قَلَّ مَاؤُه
لو حَملَهو أَي البحر. بِرَسْمِ الخِدْمةو قصد العبودية.
إِليهأَي الممدوح أَشرف ما يفتخر به و هو. الجُمَانبالضم هو اللؤلؤ الصافي، أَي كان ذلك قليلاً بالنسبة إِليه، لقلة حيائه و ذهاب رونق ماء وجهه. و فُؤاد البحرِ يَضطَرِبُأَي يتحرَّك و يتمَوَّج و يَتلاطم. كاسْمِه رَجَّافاًأَي باعتبار وصفه، و قد أَطلقت العرب هذا اللفظ عليه، فصار علماً عليه، و هو حال من فاعل يضطرب. لو أَتحَفَهأَي البحر الممدوح.
المرْجَان [١] هو كبار اللؤلؤ أَو صغاره، على اختلاف فيه أَو أَنفَذَأَي البحر أَي أَمضى و أَوصل. إِلى البحرَيْنموضع بين البصرة و عُمَان، مشهور بوجدان الجواهر فيه، و قد أَبدع غاية الإِبداع بقوله: أَعنِي يَدَيْهالفائقتين. الجواهِرَ الثِّمانمنصوب على المفعولية، أَي و لو أَتحف الجواهر المثمنة الغالية، و في الأَوليين مع الأَخيرة الالتزام، و في الثانية الاستعارة التصريحية أَو التخييلية، بحسب إرعمال الصنعة في تشبيه البحر برجل يقوم برسم الخدمة، فيذهب ماء وجهه على أَي وجه استعملته، و في الثالثة التوْرِية في الرجَّاف، و في الرابعة الاستخدام و لطافة التورية. لا زالتْ حضرَتُهأَطلقوها على كل كبير يحضر عنده الناس فقالوا: الحضرة العاليةتأمر بكذا، كما قالوا: المقام السامي، و الجناب العالي.
التي هي جَزيرةُ بحرِ الجُودِو الجزيرة بقعة ينحسر عنها الماء و ينجزر و يرجع إِلى خلف. منْ خالداتِ الجزائرأَي من الباقيات إِلى يوم القيامة، لما فيها من النفع بصاحبها و فيه التورية العجيبة بالجزائر الخالدات، و هي جزائر السعادات، يذكرها المنجمون في كتبهم، و يأْتي ذكرها في مادّتها ولا زالت. مَقرَّ أُناس يقُابلِونأَي يواجهون أَو يعارضون.
الخَرَزَمحركةً هو الحجر الذي ينظم كاللؤلؤ. المحمولَ إِليهاأَي الحضرة. بأَنفَس الجواهرأَي البالغة في النفاسة، و هو دعاء له بالبقاء على جِهةِ الخلود، و أَنه يَخلُف من يقوم مَقامه في حضرته، فلا تزال مقرًّا للموصوفين بما ذُكر، و في الكلام مبالغة و تورية. يرحم اللََّه عبداً قال آميناضمن الدعاء كلامه، لكمال الاعتناء باستجابته، و الرغبة في حصول ثمرته، لأَن كل من سمع هذا الدعاءَ فإِنه يأْتي بالتأْمين رغبة في الرحمة، فيحصل المطلوب، قال شيخنا:
و هو شطر من شعر رواه صاحب الحماسة البصرية لمجنون بني عامر، و اسمه قيس بن مُعاذ المعروف بالملوّح و أَوّله:
يَا رَبِّ لاَ تَسْلُبنّي حُبَّها أَبداً # و يَرْحَمُ اللََّهُ عبْداً قال آمينا
و له قصة رأَيتها في الديوان المنسوب إِليه.
قال شيخنا: و هذا آخر الزيادة التي أَهملها البدر القرافي و المحب ابن الشحنة، لأَنها لم تثبت في أصولهم من قوله:
«و هذه اللغة الشريفة»إِلى هنا. قال: و كأَن المصنف زادها في القاموس بعد أَن استقر باليمن و أَزمع إِهداءَه لسلطان اليمن الملك الأَشرف، فقد قيل: إِنه صنَّفه بمكّة المشرَّفة، فلما رأَى إِكرام الأَشرف له زاد ذِكْرَه في الدّيباجة، و أَثبت اسمه فيه، لمَسِيس الحاجة، و قصد بذلك ترغيبَه في العلم و أَهله، أَو ما يقرب من ذلك من المقاصد الحسنة إِن شاءَ اللََّه تعالى، و يؤيد هذا الظاهر أَن هذا الكلام ساقِطٌ في كثير من النسخ القديمة.
قلت: و الذي سمعناه من أَفواه مشايخنا اليَمنيّين أَن المجد سوّد القاموس في زَبيد بالجامع المنسوب لبني المِزجاجي، و هم قبيلة شيْخنا سيّدي عبد الخالق، متع اللََّه بحياته، و فيه خَلوَةٌ تواترَ عندهم أَنه جلس فيها لتسويد الكتاب، و هذا مشهور عندهم، و أَن التبييض إِنما حصَل في
[١] في القاموس: بالمرجان.