تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٨٧ - شيأ شيأ
منهقال ابنُ هشامٍ: لم يرِد منه إِلاَّ ثلاثةُ أَلفاظٍ: فَرْخٌ و أَفْرَاخ، و زَنْد و أَزْناد و حَمْل و أَخْمال، لا رابع لها، و قال غيره: إنه قليل بالنسبة إلى الصحيح، و أَما في المعتل فكثير و جَمْعٌ لِوَاحِدِهاو قد تقدّم من مذهب سِيبويهِ أَنَّها اسمُ جمعٍ لا جَمْعٌ فليُتَأمَّلْ، المُستَعْمَلالمطَّرِد و هو شيْءٌ و قد عرفت أَنه شاذٌّ قليلٌ و أَمَّا الكسائِيُّ فيرى أَنهاأَي أَشياءَ أَفعالٌ كَفَرْخٍ و أَفْرَاخٍأَي من غير ادَّعاء كُلْفةٍ، و من ثم اسْتَحْسَنَ كثيرُون مَذهبَه، و في شرح الشافية، لأَن فَعْلاً مُعْتَلَّ العينِ يُجمع على أَفعال.
قلت: و قد تقدّمت الإشارة إليه، فإن قلت: إذا كان الأَمر كذلك فكيف مُنِعَت من الصرف و أَفْعَال لا مُوجِب لِمَنْعه.
قلت: إِنما تُرِك صَرْفُها لِكَثرةِ الاستعمالِفخَفَّتْ كثيراً، فقابلوا خِفَّتها بالتثقيل و هو المنع من الصرف لأَنهاأَي أَشياءَ شُبِّهَتْ بِفَعْلاَءَمثل حمْراءَ في الوزن، و في الظاهر، و في كَوْنِها جُمِعَتْ على أَشْيَاوَات فصَارَتْ كخَضْرَاءَ و خَضْراوَاتٍ [١] و صَحْرَاءَ و صَحْرَاوات، قال شيخُنا: قوله:
لأَنها شُبِّهت، إلخ من كلام المُصَنِّف جواباً عن الكسائي، لا من كلام الكسائيِّ.
قلت: قال أَبو إسحاق الزجّاج في كتابه في قوله تعالى:
لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ [٢] [ أشياء ] [٣] في موضِع الخفض إلاّ أَنّها فُتِحت لأَنها لا تنصرِف، قال: و قال الكسائيُّ: أَشبَه آخِرُها آخِرَ حَمراءَ و كثُرَ استعمالُها فلم تُصْرَف. انتهى، فعُرِف من هذا بُطْلان ما قاله شَيْخُنا، و أَن الجوهريّ إنما نَقله من نصِّ كلام الكسائيّ، و لم يأْتِ من عِنْده بشيءٍ فحِينئذٍ لا يَلْزَمُهُأَي الكسائيَ أَن لا يصْرِفَ أَبْنَاءٌ و أَسْمَاءَ كما زعم الجوهريُقال أَبو إسحاق الزجّاج: و قد أَجمع البصريّونُ و أَكثرُ الكُوفِيِّين على أَن قول الكسائيِّ خطأٌ في هذا، و أَلزموه أَن لا يصرِف أَبناءً و أَسماءً. انتهى، فقد عرفْتَ أَنَّ في مثل هذا لا يُنْسب الغلطُ إلى الجوهريّ كما زعم المؤلّفُ لأَنهم لم يَجْمَعُوا أَبناءً و أَسماءً بالأَلف و التَّاءِ فلم يَحْصُل الشَّبَهُ. و قال الفراءُ: أَصلُ شَيْءٍ شَيِّيءٌ علىمِثال شيِّعٍ، فجُمِع على أَفْعِلاء مثل هَيِّنْ و أَهْيِنَاء [٤] و ليِّن و أَلْيِنَاء، ثم خُفِّف فقيل شَيْءٌ كما قالوا هَيْنٌ و لَيْنٌ، فقالوا أَشياء ، فحذفوا الهمزة الأُولى، كذا نصُّ الجوهريّ، و لما كان هذا القولُ راجعاً إلى كلام أَبي الحسن الأَخفش لم يَذْكُرْهُ المؤلف مستقلاًّ، و لذا تَرى في عبارة أَبي إسحاق الزجّاج و غيرِهِ نِسبةَ القوْلِ إِليهما معاً، بل الجارَبَرْدِي عَزَا القَولَ إلى الفَرَّاء و لم يَذكر الأَخفش، فلا يقال: إن المؤلّف بَقِيَ عليه مذهبُ الفرَّاء كما زعم شيخُنا، و قال الزجّاج عند ذِكر قوْلِ الأَخفش و الفرَّاءِ: و هذا القولُ أَيضاً غلطٌ، لأَنَّ شَيْئاً فَعْلٌ، و فَعْلٌ لا يُجْمَع على أَفْعِلاءَ، فأَمَّا هَيْن فأَصلُه هَيِّن فجُمِع على أَفْعِلاَء كما يُجْمَع فَعِيلٌ على أَفعِلاء مثل نَصِيب و أَنْصِباء انتهى [٥] .
قلت، و هذا هو المذهب الخامِس الذي قال شيخنا فيه إنه لم يَتَعَرَّض له اللُّغَوِيُّون، و هو راجعٌ إلى مذهب الأَخفش و الفرَّاء، قال شيخنا في تَتِمَّات هي للمادَّة مُهِمَّات: فحاصلُ ما ذُكِر يَرْجع إلى ثلاثة أَبْنِيَة تُعْرَف بالاعتبار و الوَزْنِ بعد الحَذف فتصير خَمْسةَ أَقْوالٍ، و ذلك أَن أَشْياء هل هي اسمُ جَمعٍ وَزْنُها فَعْلاء أَو جَمْع على فَعْلاَء و وزنه بعد الحَذْفِ أَفْعاء أَو أَفْلاَء أَو أَفْياء أَو أَصلها أَفْعَال، و به تعلَم ما في القاموس و الصحاح و المحكم من القُصور، حيث اقتصر الأَوّل على ثلاثة أَقوال، مع أَنه البحر، و الثاني و الثالث على أَربعة، انتهى.
و حيث انجرَّ بنا الكلام إلى هنا ينبغي أَن نعلم أَيّ المذاهب مَنْصورٌ مما ذُكِر.
فقال الإمام علم الدين أَبو الحسن عليّ بن محمد بن عبد الصمد السَّخاوِيّ الدِّمشقيّ في كتابه سِفْر السَّعادة و سفير الإِفادة: و أَحسنُ هذه الأَقوالِ كلَّها و أَقربُها إلى الصوابِ قولُ الكسائيّ، لأَنه فَعْلٌ جُمِع على أَفْعال، مثل سَيْفٍ و أَسْياف، و أَمّا منعُ الصَّرْف فيه فعلى التشبيه بِفَعْلاء، و قد يشتبه [٦] الشيءُ بالشيءِ فيُعْطَى حُكْمه، كما أَنهم شَبَّهوا
[١] في القاموس: كصحراء و صحراوات.
[٢] سورة المائدة الآية ١٠١.
[٣] زيادة عن اللسان.
[٤] اللسان: أهوناء، و في مكان «أهيناء»و الصواب أهوناء، لأنه من الهون، و هو اللين.
[٥] مرّ هذا القول قريباً.
[٦] كذا بالأصل، و لعله «بشبه»كما يقتضي المعنى.