تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٨٨ - شيأ شيأ
أَلف أَرْطَى بأَلف التأْنيث فمنعوه من الصرف في المعرفة، ذكر هذا القول شيخُنا و أَيَّدَه و ارْتضاه.
قلت: و تقدم النقلُ عن الزجّاج في تخطِئَة البَصرِيّيّن و أَكثرِ الكُوفيّين هذا القَول، و تقدم الجوابُ أَيضاً في سِيَاق عِبارة المؤلّف، و قال الجَاربَرْدِي في شرح الشَّافِية: و يلْزم الكسائيَّ مخالفةُ الظاهرِ من وجْهينِ: الأَول مَنْع الصرْفِ بغير عِلَّة، الثاني أَنها جُمِعَت على أَشَاوَى . و أَفعال لا يُجْمَع على أَفاعل.
قلت: الإِيراد الثاني هو نصُّ كلام الجوهريّ، و أَما الإِيراد الأَول فقد عرفتَ جوابَه.
و ذكر الشّهاب الخَفاجي في طِراز المجالس أَن شِبْهَ العُجْمة و شِبْه العَلَمِيَّة و شِبْه الأَلِف مما نَصَّ النُّحاة على أَنه من العِلَل، نقلَه شيخُنا و قال: المُقرَّر في عُلوم العربية أَن من جُمْلة موانع الصرْف أَلِفَ الإِلحاق، لشَبَهِها بأَلف التأْنيث، و لها شرطان: أَن تكون مَقصورةً، و أَما أَلِفُ الإِلحاق الممدودةُ فلا تَمْنَع و إن ضُمَّت لِعِلَّةِ أُخْرى، الثاني أَن تقع الكلمةُ التي فيها الأَلف المقصورةُ علماً، فتكون فيها العَلَمِيّةُ و شِبْهُ أَلفِ التأْنيث، فأَما الأَلف التي للتأْنيث فإنها تَمنعُ مطلقاً، ممدودةً أَو مقصورةً، في معرفةِ أَو نكرةِ، على ما عُرِف. انتهى.
و قال أَبو إسحاق الزجّاج في كتابه الذي حَوَى أَقَاويلَهم و احتجَّ لأَصوبها عنده و عزاه للخليل فقال: قوله تعالى: لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ في موضعِ الخَفْضِ إلاَّ أَنّها فُتِحت لأَنها لا تَنْصرف.
و نص كلام الجوهريّ: قال الخليل: إنما تُرِك صَرْفُ أَشياءَ لأن أَصلَه فَعْلاَء، جُمِعَ على غير واحدهِ، كما أن الشُّعَراء جُمع على غير واحدِهِ، لأَن الفاعِل لا يُجْمع على فُعَلاَء، ثم استثْقَلُوا الهمزتَيْنِ في آخِره نَقَلُوا [١] الأُولى إلى أَوّل الكلِمة فقالوا أَشْياء ، كما قالوا أَيْنُق و قِسِيّ [٢] فصار تقديرُه لَفْعاء، يدُلُّ على صِحّة ذلك أَنه لا يُصْرَف، و أَنه يُصَغَّرُ على أَشيَاء ، و أَنه يُجْمَع على أَشَاوَى ، انتهى. قال الجاربردي بعد أَن نقل الأَقوال: مذهبُ سِيبويه أَوْلى، إذ لايَلزمه مخالَفةُ الظاهرِ إلاَّ من وَجْهٍ واحدٍ، و هو القَلْبُ، مع أَنه ثابِتٌ في لُغتهم في أمثِلة كثيرةٍ.
و قال ابن بَرِّيّ عند حِكاية الجوهريّ عن الخليل إنّ أَشياءَ فَعْلاَءُ جُمِع على غير واحدِهِ كما أَنّ الشُّعَراءَ جُمِع على غير واحده: هذا وَهَمٌ منه، بل واحدُها شيْءٌ ، قال:
و ليست أَشياءُ عِنده بجمْعٍ مكَسَّر، و إِنما هي اسمٌ واحدٌ بمنزلةِ الطَّرْفَاءِ و القَصْباءِ و الحلْفَاءِ، و لكنه يجعلُها بدلاً من جَمْعٍ مُكَسَّرٍ بِدلالةِ إضافةِ العدَد القليل إليها، كقولهم:
ثَلاثَةُ أَشْياءَ ، فأَما جَمْعُها على غير واحِدِها فذلك مَذهبُ الأَخفشِ، لأَنه يرى أَنَّ أَشياءَ وَزْنُهَا أَفْعِلاء، و أَصلها أَشْيِئَاء فحُذِفت الهمزةُ تخفيفاً، قال: و كان أَبو عَلِيٍّ يُجِيز قولَ أَبي الحسن على أَن يكون واحِدُها شَيْئاً ، و يكون أَفْعِلاء جَمْعاً لِفَعْلٍ في هذا، كما جُمِع فَعْلٌ على فُعَلاَءُ في نَحْو سَمْحٍ و سُمَحَاء، قال: و هو وَهَمٌ من أَبي علِيٍّ، لأَن شَيْئاً اسمٌ، و سَمْحاً [٣] صفة بمعنى سَمِيح، لأَن اسم الفاعل [٤] من سَمُحَ قياسه سَمِيح، و سَمِيح يُجمَع على سُمَحاءَ، كَظرِيف و ظُرفاء، و مثله خَصْمٌ و خُصَمَاء، لأَنه في معنى خَصِيم، و الخَليلُ و سيبويهِ يقولان أَصلها شيئاء، فقُدِّمت الهمزة التي هي لامُ الكلمةِ إلى أَوَّلها فصارت أَشياءَ ، فوزنها لَفْعَاء، قال: و يدُلُّ على صِحَّة قولهما أَن العرب قالت في تَصغيرها أُشَيَّاء ، قال: و لو كانت جَمْعاً مُكسَّراً كما ذهبَ إليه الأَخفش لَقِيل في تصغيرها شُيَيْئَات كما يُفْعل ذلك في الجُموع المُكَسَّرة، كجِمَال و كِعَاب و كِلاَب، تقول في تصغيرها:
جُمَيْلاَت و كُعَيْبَات و كُلَيْبَات، فتَردّها إلى الواحد ثُمَّ تَجمعها بالأَلف و التاء.
قال فخر الدين أَبو الحسن الجابربردي: و يلزم الفرَّاء مخالفةُ الظاهرِ مِن وُجوهٍ: الأَول أَنه لو كان أَصلُ شَيْءٍ شَيِّئاً كَبيِّن، لكان الأَصل شائعاً كثيراً، أَلا تَرى أَن بَيِّناً أَكثَرُ مِن بَيْنٍ وَ ميِّتاً أَكثرُ من مَيْت، و الثاني أَن حذف الهمزة في مِثلها غيرُ جائزٍ إِذ لا قِياس يُؤَدِّي إلى جَواز حذف الهمزة إذا اجتمع هَمزتانِ بينهما أَلف. الثالث تصغيرُها على أُشَيَّاءَ ، فلو كانت أَفْعِلاءَ لكانت جَمْعَ كَثرةٍ، و لو كانت جَمْعَ كثرةِ لوجبَ رَدُّها إلى المُفرد عند التصغير، إذ ليس لها جَمْعُ
[١] كذا بالأصل، و في اللسان: فقلبوا الأولى أول الكلمة.
[٢] اللسان: كما قالوا عُقابٌ بفتقاة، و أينق و قِسِيِّ.
[٣] عن اللسان، و بالأصل «سمحاء».
[٤] عن اللسان، و بالأصل «في».