تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٩٠
إِشارة إِلى أَنها تخترع ذلك و تنشئه إِنشاءً بديعاً. و مُراد المصنف أَنها إِن شاءَ اللََّه تعالى لا تنقطِع و لا بُدَّ لها مَن يقوم بها، و إِن حصل فيها التقصير أَحياناً، لعموم الجهل، و تعاطى العلوم من ليس لها بأَهْل، قال شيخُنا و لا يخفى ما في حذف المشبَّه و ذكر بعض أَنواع المشبه به كالغِرِّيدة و ذات الطوْق، من الاستعارة بالكناية و التخييلية و الترشيح، و قد يدّعى إِثبات المشبّه أَوّلاً حيث صرَّح باللغة الشريفة، فتكون الاستعارة تصريحيّة، و فيه الجناس المحرَّف الناقصُ، و إيراد المثل، و غير ذلك من اللطائف الجوامع.
و إِن دارت الدوائرُأَي أَحاطت النوائبُ و الحوادث و المصائب من كُلّ جِهة. على ذوِيهاأَي أَصحابها، أَي اللغة الشريفة، و في شرف إِيوان البيان: و لا أَشتكِي تَحامُل الدَّهرِ بإِضاعة بِضاعَة الأَدب، و سَلْب خَطَر المُقامرين على ذلك النَّدَب، و تطّرق الخَلل إِلى القشر دون اللُّبَاب، و موضوع اللفظ دون المعنى الذي هو مَغْزَى الطلاب، بل أَقول دارت الدوائر على العلوم و ذويها. و أَخْنَتأَي أَهلكت و استولت، و في نسخة قاضي كجرات و بعض الأُصول التي بأَيدينا «أَنحت»بالنون قبل الحاء المهملة، معناه أَقبلت، و مثله في شرف إِيوان البيان. على نَضَارَةبالفتح النعمة و حُسْن المنظرِ. رِيَاضجمع رَوْض سقط من بعض النسخ.
عَيْشِهمحياتهم أَو ما يتعيَّش به. تُذْوِيهاأَي تُجفِّفها و تُيَبِّسها. حتىغاية لدَوَرَان الدوائر العارضة. لا لَهَاأَي اللغة الشريفة. اليومَأَي في زمانه، و نص عبارة شرف إِيوان البيان بعد قوله «تذويها»فأَهملوا الفروع و الأُصول، و اطَّرحوا المعقول و المنقول، و رغبوا عن الصناعات دقيقِها و جلِيلِها، و الحكم جُمَلِهَا و تفاصيلِها، فغاضت الشرائع بمسائلها، و تركت مَدْلُولات أَحكام الفقه بدلائلها فلا. دارِس أَي قارىء و مشتغل به. سِوَى الطَّلَلمحركة: ما شَخَص من آثار الدار. في المَدَارسجمع مَدْرسة، هي موضع الدِّراسة و القراءَة، و ذلك عبارة عن قلة الاعتناء بالعلم و انقراض أَهله، و هذا في زمانه، فكيف بزماننا، ١٧- و قد روينا في الحديث المسلسل بالترحم أَن السيدة عائشة أُم المؤمنين رضي اللََّه عنها قالت: رحم اللََّه لَبِيداً كيف لو أَدرك زماننا هذا حين أَنشد بين يديها:
ذَهَبَ الّذين يُعَاشُ في أَكْنَافِهِمْ # و بَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجرَبِ.
و أَنشدنا غير واحد:
أَمَّا الخِيَامُ فإِنها كَخِيَامِهِمْ # و أَرى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا
نسأَل اللََّه اللطفَ و الستر، إِنه وليّ الإِجابة و الأَمر. و لا لها. مُجَاوِبيردُّ لها جوابَهَا. إِلاّ الصَّدَىو هو الصوت الذي يُسْمَع من أَركان السُّقوف و الباب إِذا وقع صِيَاحٌ في جوانبها. ما بَين أَعلامِهاأَي علاماتها الكائنة فيها.
الدَّوَارِسأَي التي عفَتْ آثارها، و كأَن هذا مبالغة في الإِعراض عن العلم و طلبه، بحيث لو قدِّر أَنه رجل طالب يسأَل من يأْخذه لا يُلْقَى له مجاوب و لا يُوجَد له دَاع و لا مجيب، و في الفقرة التزام ما لا يلزم، و زاد في الأَصل بعد هذه العبارة إِن اختلف إِلى الفقهاء محصل بيده التعليق فمسبّب الديوان و حامل البروات، أَو أَلزم الحجة بطريق التوجيه معاند فمستخرج مال القسمات، يقع الخلاف و لا منع إِلا عن الحق الصريح، و لا مطالبة إِلا بالمال الجسيم، و لا مصادرة على المطلوب إِلا بضرب يضطر معه إِلى التسليم. إِلى آخر ما قال. لكن
____________
١ *
استدراك على الكلام السابق، و عبارة الأَصل: و لو شئت لقلْت أَسْأَرَت شِفاه الليالي من القوم بَقَايا، و أَخلفت بواسقُ النخل ودَايَا، بلى.
لم يَتَصَوَّحْأَي لم يتشققْ و لم يَجِفَّ، و صاح النبت و صَوّح و تَصَوّح: يَبِس و جَفَّ، و ظهرت فيه الشقوق. في عَصْفِ بفتح فسكون أَي هبّ. تلك البَوَارِحو هي الرياح الشديدة الحارّة التي تهبّ بشدة في الصيف، و المراد بها تلك الحوادث و المصائب. نَبْتُ تلك الأَبَاطِحعبارة عن اللغة و أَهلها على وجه الاستعارة التخييلية و المكنية و الترشيحية.
أَصْلاًانتصابه على الظرفية، أَي لم يتصوّح وقتاً من الأَوقات. وَرَاساهو في نسختنا بإِثبات الهمز، و سقطت عن غالب الأُصول المصححة، و هو على لغة بني تميم فإرنهم يتركون الهمز لزُوماً، خلافاً لمن زعم أَن ترك الهمز انما هو تخفيف، قاله شيخنا، و المراد أَن تلك الدوائر التي دارت على أَهل اللغة لم تستأْصلهم بالكلّيّة، بل أَبقت منهم بقيّة قليلة، تنجع إذا سقْتها سحائبُ التدارُكِ ممن يقيِّضه اللََّه على عادته إِحياءً للدين و علومه، و في الفقرة ترصيع. و لم تُستَلَبِأَي لم تختلس و لم ينتزع ذلك النبت الذي أُريد به اللغة، و هو من الافتعال، و في نسخة: و لم يتسلَّب، من
[١] (*) في القاموس: و لكن.