تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٩٢
أحدٍ، و هو النبي صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم. و دلّضبطه بعضهم مبنيّاً للمفعول، و الصواب مبنياً للفاعل معطوف على الصلة، أَي أَرشد و هَدَى. عَلىََ نَيْلِ. شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ أَي البقاء و الدوام و هي أَشجار الجنة. وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلىََ أَي سلطنة لا يلحقها بَلاءٌ و لا فَناء و الدَّالّ على ذلك هو النبي صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم و سلم على جِهة النُصْحِ للعباد، و إِرشادهم، إِلى ما ينفعهم يوم المعاد، عند رب الأَرباب نصحاً و شفقةً و رحمةً لهم، كما أَمره ربُّه سبحانه و تعالى. و في الكلام اقتباسٌ أَو تلميح، و قد أَخطأَ في تفسيره كثيرٌ من المحشِّين و الطلبة المدَّعين. و كيف لا تكون هذه اللغة الشريفة بهذه الأَوصاف المذكورة منسوبة إِلى النبي صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم باقية ببقاء شريعته و كتابه و سنته. والحال أَنه صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم هو المتكلّم بها، بل أَفصح من تكلم بها، و لذلك قال.
الفصاحةُو في الأَصل: كيف لا و النبوة. أَرَجٌمحرّكةً الطيبُ. بغير ثنائههكذا في سائر النسخ بالثاء و النون، و في الأَصل بغير ثيابه، جمع ثَوْب، و هو الصواب [١] . لاَ يَعْبَقُ أَي لا يَفُوح و لا ينتشِر، و قد تقدم في المقدَّمة بيان أَفصحيَّته صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم و ما وَرَدَ فيه. و السَّعادة صَبَأَي عاشق مُتابع. سِوَى تُراب بابه لا يَعْشَقو لا عنه يحيد، فاللغة حازت الفصاحة و السعادة، و اكتسبت ببركته صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم، و في الفقرتين أَنواعٌ من المجاز، ١٤- و في المزهر: أَخرج البيهقي في شُعَب الإِيمان، من طريق يونس بن محمد بن إِبراهيم بن الحارث التيمي عن أَبيهِ قال : قال رسول اللََّه صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم في يوم دَجْنٍ «كَيْفَ تَرَوْنَ بَوَاسِقَهَا؟»قالوا: ما أَحسنَها و أَشدَّ تَراكُمها. قال: «كيف تَرَوْنَ قَوَاعِدَها؟»قالوا: ما أَحسَنها و أَشدَّ تَمكُّنَها، قال:
«كيف ترون جَوْنَهَا؟»قالوا: ما أَحسنه و أَشدّ سوادَه: قال:
«كيف ترون رَحَاها استدَارَتْ»قالوا: ما أَحسنها و أَشدَّ استدارتها. قال: «كيف ترون بَرْقها أَخفِيًّا أَم وَ ميضاً أَمْ يَشُّقُ شَقًّا»قالوا: بل يشقُّ شقًّا، فقال «الحياء. فقال رجل: يا رسول اللََّه، ما أَفصَحَك، ما رأَينا الذي هو أَعْرَبُ منك، قال: «حقّ لي، فإِنما أُنزِل القرآنُ عَلَيّ بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ».
ثم إن المصنف لما ذكر أَوصافه الشريفة النبوية اشتاق إِلى رؤية الحضرة، و تذكر تلك النضرة، فأَقبل بقلبه و قالَبه عليها، و جعلها كأَنها حاضرة لديه، و كأَنه مخاطِب له صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ وَ سَلَّم و هو بين يديه، فقال: و في الأَصل قبل البيت بعد قولهلا يعشق ما نصه: و بواسطة من خُلِق أَجود من الريح المرسَلة نَجِد عَرْف الجِنان، و حبّاً لمن أَلّف البوادي نَستروِح نَسِيم الرَّنْدِ و البان، ثم أَنشد:
إِذا تنفَّسَ مِنْ وَادِيك. أَي مجلسك. رَيحانُأَي كل ذي رائحة طيبة. تأَرّجَتْأَي توهجَت. مِنْ قَمِيص الصُّبْحهو الفجر. أَرْدَانأَي أَكمام، جعل الصبح كأَنه شخص و ما ينتشر عنه من أَضوائه و أَنواره عند صدوع الفجر كأَنه ثياب يلبسها، و جعل الثياب قميصاً له أَكمام متفرقة، و قيّد بالصبح لأَن روائح الأَزهار و الرياض تفوح غالباً مع الصباح. و البيت من البسيط [٢] ، و فيه الاستعارة المكنية و التخييلية و الترشيح و قوة الانسجام. و ما أَجدَرأَي أَحق. هذا اللسانَأَي اللغة، و في الأَصل ذلك اللسان. و هوأَي اللسان. حَبيبُ النَّفس أَي محبوبها. و عَشِيق الطبْعأَي معشوقه أَي حُبُّه طبيعةٌ للأَذواق السليمة. و سَمِيرُأَي مسامِر و محادِث. ضميرِأَي خاطر و قلب. الجَمْعِهم الجماعات المجتمعة للمنادَمَة و المسامَرة و الملاطفة بأَنواع الأَدب و المُلَح و ذلك لما فيه من الغرائب و النوادر. و قد وَقَفَأَي اللسان. على ثَنِيَّة الوَدَاع أَشار بهذا إِلى أَنها قد أَزمعت الترحال، و لم يبق منها إِلا مقدار ما يعدّ توديعاً بين الرِّجال، و في الفقرة الاستعارة المكنية و التخييلة و الترشيح. و هَمّأَي اعتنى و اهتم و قصد.
قِبْليُبالكسر منسوب إِلى القِبلة، و هي جهة الصلاة و ناحية الكعبة المشرَّفة. مُزْنِهأَي غَيْثه. بالإِقلاعأَي بالكفِّ و الارتفاع، و خص القِبليَّ لما من شأْنه الانصباب. بأَن يُعْتَنَقَالظرف متعلق بأَجدر، أَي ما أَحق هذا اللسان لشرفه و توقف الأَمر عليه و عزمه على الرحيل أَن يعامَل مُعاملة المفارِق فيُعْتَنق. ضمًّا و التزاماً كالأَحبّةأَي كما يَضمُّون الصدور على الصدور، و يلتزمون بالنحور. لدَى التّوديعأَي مُوَادعة بعضهم بعضاً. و يُكْرَم بنقل الخطواتأَي بالمشي مُتبعاً. على آثارهأَي بقيته كالأَعِزَّة، كما في نسخة الأَصل.
حالةَ التشييعقال شيخنا: و قد أَورد هذا الكلام على جهة التمثيل حضّاً و حثّاً على تعلُّم اللغة و الاعتناء بشأْنها و تحصيلها بالوجه الممكن، و إِن لم يمكن الكل فلابد من
[١] في القاموس: ثيابه.
[٢] فرق الشارح البيت و نثره. و تمامه:
إِذا تنفس من واديك ريحان # تأرجت من قميص الصبح أَردانُ.