الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٦١ - المتن
قال ورقة: فلما سمعت كلامي، تغرغرت عيناها بالدموع، ثم انتحبت نادبة و قالت:
يا ورقة بن عبد اللّه، هيّجت عليّ حزنا ساكنا و أشجانا في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها (عليها السلام):
اعلم أنه لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، افتجع له الصغير و الكبير و كثر عليه البكاء و قلّ العزاء، و عظم رزؤه على الأقرباء و الأصحاب و الأولياء و الأحباب و الغرباء و الأنساب، و لم تلق إلا كل باك و باكية و نادب و نادبة، و لم يكن في أهل الأرض و الأصحاب و الأقرباء و الأحباب أشدّ حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من موالاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و كان حزنها يتجدّد و يزيد و بكاؤها يشتدّ.
فجلست سبعة أيام، لا يهدأ لها أنين و لا يسكن منها الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول. فلما كان في اليوم الثامن، أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت فكأنها من فم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تنطق. فتبادرت النسوان و خرجت الولائد و الولدان و ضجّ الناس بالبكاء و النحيب و جاء الناس من كل مكان و أطفأت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء و خيّل إلى النسوان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد قام من قبره، و صارت الناس في دهشة و حيرة لما قد رهقهم، و هي (عليها السلام) تنادي و تندب أباه: وا أبتاه، وا صفيّاه، وا محمداه! وا أبا القاسماه، وا ربيع الأرامل و اليتامى! من للقبلة و المصلّى و من لابنتك الوالهة الثكلى؟
ثم أقبلت تعثر في أذيالها و هي لا تبصر شيئا من عبرتها و من تواتر دمعتها، حتى دنت من قبر أبيها محمد (صلّى اللّه عليه و آله). فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة، فقصرت خطاها و دام نحيبها و بكاها، إلى أن أغمي عليها.
فتبادرت النسوان إليها، فنضحن الماء عليها و على صدرها و جبينها حتى أفاقت.
فلما أفاقت من غشيتها، قامت و هي تقول: رفعت قوتي و خانني جلدي و شمت بي عدوي و الكمد قاتلي. يا أبتاه! بقيت والهة وحيدة و حيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي و انقطع ظهري و تنغّص عيشي و تكدّر دهري؛ فما أجد- يا أبتاه- بعدك أنيسا لوحشتي