الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٣١٨ - المتن
فأطرق علي (عليه السلام) ساعة لا يحير جوابا حياء من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد عرف الحال التي خرج عليها. فلما نظر إلى سكوت علي (عليه السلام) قال: يا أبا الحسن! ما لك، أو لا تقول نعم فأجيء معك؟ فقال له: حبّا و كرامة، بلى اذهب بنا، و كان اللّه تعالى قد أوحى إلى نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تعشّي عندهم.
فقال علي (عليه السلام): بلى. فأخذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بيده، فانطلقا حتى دخلا على فاطمة (عليها السلام) في مصلّى لها، و قد صلّت و خلفها جفنة تفور دخانا. فلما سمعت كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في رحلها، خرجت من المصلّى فسلّمت عليه- و كانت أعزّ الناس عليه-. فردّ السلام و مسح بيده على رأسها و قال: كيف أمسيت رحمك اللّه؟ عشّينا غفر اللّه لك و قد فعل.
فأخذت الجفنة فوضعتها بين يديه. فلما نظر علي (عليه السلام) و شمّ ريحه، رمى فاطمة (عليها السلام) ببصره رميا شحيحا. فقالت له: ما أشحّ نظرك و أشدّه! سبحان اللّه، هل أذنبت؟ فما بيني و بينك ذنبا استوجبت به السخط؟ قال: و أيّ ذنب أعظم من ذنب أصبته اليوم، أ ليس عهدي بك اليوم و أنت تحلفين باللَّه مجتهدة ما طمعت طعاما من يومين؟
فنظرت إلى السماء فقالت: الهي يعلم في سمائه و يعلم في أرضه إني لم أقل إلا حقا.
قال: فأنّى لك هذا الذي لم أر مثل رائحته و لم آكل أطيب منه؟ فوضع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كفّه المباركة بين كتفي علي (عليه السلام)، ثم هزّها و قال: يا علي، هذا ثواب لديا نارك، هذا جزاء دينارك، هذا من عند اللّه «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ». [١]
ثم استعبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) باكيا فقال: الحمد للَّه الذي هو أبا لكما أن يخرجكما من الدنيا حتى يجريك في المجرى الذي أجرى زكريا و يجريك فيه يا فاطمة بالمثال الذي جرت فيه مريم: «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ». [٢]
[١]. سورة آل عمران: الآية ٣٧.
[٢]. سورة آل عمران: الآية ٣٧.