الحسين و بطلة كربلاء - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٨٨ - من أخلاق الإمام زين العابدين
و الجواب: أنّ هذا سمو و ترفع عن كلّ ما في هذه الحياة. سمو عن طبائع البشر، و انفعالات النّاس. و عمّا يشترك فيه أنا، و أنت، و غيرنا. أنّ هذا من صنع الإمامة، و العصمة لا من صنعي و صنعك، و لا من صنع الّذين يخطبون و يعظون.
لقد عفا محمّد عن أبي سفيان، و زوّجته هند، و عن وحشي و غيرهم، عفا عنهم، لأنّه مختار من اللّه لا من النّاس، و عفا عليّ عن مروان و ابن العاصّ، لأنّه إمام بإرادة السّماء لا بإنتخاب أهل الأرض، و فعل زين العابدين ما فعل، لأنّه الإمام ابن الإمام أبي الأئمّة الأطهار القائمين بحجّة اللّه على جميع خلقه.
فلا بدع إذن أن يحسن الإمام زين العابدين لمن أساء إليه، و لا عجب أن يفعل الأمويون ما فعلوا، و إنّما العجب أن لا يحسن الإمام لمن أساء إليه، و أن لا يسيء الأمويون إلى من أحسن إليهم، و إلى النّاس أجمعين [١]، و هذا هو جواب الشّاعر الّذي قال [٢]:
و عليك خزي يا اميّة دائم* * * يبقى كما في النّار دام بقاك
فلقد حملت من الآثام جهالة* * * ما عنه ضاق لمن وعاك وعاك
[١] انظر، صحيح مسلم: ٣/ ١٤٠٨ ح ٨٦، سنن أبي داود: ٣/ ١٦٣ ح ٣٠١٢. فهذا أبو سفيان أشدّ عداوة لرّسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في محاربته، و غزواته تشهد بذلك، و إنّما أسلم على يد العبّاس الّذي منع النّاس من قتله، و جاء به رديفا، شرّفه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و كرّمه فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليّا (عليه السّلام)، و سمّوا الحسن (عليه السّلام)، و قتلوا الحسين (عليه السّلام)، و حملوا النّساء على الأقتاب حواسرا، و قيّدوا بالحديد زين العابدين (عليه السّلام) الّذي لمّا أوقفوه على مدرج جامع دمشق في محلّ عرض السّبايا.
[٢] انظر، الدّر النّضيد: ٢٤٠، الغدير: ٦/ ٥٨١، القصيدة للشّيخ عليّ الشّفهيني الحلّي.