الحسين و بطلة كربلاء - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٧٤ - ما أحبّ الباطل شابّا و لا كهلا
هذه ألفاظه، و هذا اسلوبه، و خطابه مع قوم ما وضعت ألفاظ السّباب و اللّعن إلّا للدّلالة على خساستهم. إنّ تلك الفظائع لم تخلق من برير رجلا غير برير، فهو هو ذاك الوادع المتواضع، و الزّاهد الخاشع الدّاعي إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و إذا كان برير عظيما فكيف يفوّه بالحقير الّذي يستطيع النّطق به الطّفل الصّغير، و المرأة الضّعيفة، و السّفيه الفاجر، إذا كان برير عظيما فليدع الكلام للسّيف وحده. برز برير لقتال جيش الظّلام و بين جنبيه قلب يستبشر بالموت استبشاره بعناق الحور العين، فلم يدن أحد منه لشجاعته و هيبته، فكان يحمل على الأعداء و يفرون من بين يديه خشية من لقائه، فيناديهم اقتربوا منّي يا قتلة المؤمنين، اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول ربّ العالمين، و لمّا عجزوا عن مقاومته وجها لوجه اغتاله كعب بن جابر بطعنة رمح في ظهره، بعد أن قتل منهم ثلاثين رجلا، فأودت الطّعنة بحياته الطّاهرة الزّكيّة الّتي شهد لصاحبها الرّجال و النّساء من قومه و عارفيه أنّه ما عرف الباطل شابّا و لا كهلا؛ قال بعض من أعان على الحسين (عليه السّلام) لكعب عندما رآه قاصد اغتيال برير: ويّلك هذا الّذي كان يعلمنا القرآن [١]، و أقسمت زوّجته لدى رجوعه إليها أن لا تكلمه أبدا [٢]. لقد لبّى برير
[١] انظر، مقتل الحسين للخوارزمي: ١/ ٢٤٨ و لكن بلفظ «برير بن خضير» بدل «يزيد بن الحصين» كما جاء في الفصول المهمّة لابن الصّباغ المالكي: ٢/ ١٤٤، بتحقّيقنا. و كان من الزّهّاد الّذين يصومون النّهار و يقومون اللّيل، فقال: يابن رسول اللّه إئذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه لعلّه يتّعظ و يرتدع عمّا هو عليه، فقال الحسين: ذاك إليك يا برير، فذهب إليه حتّى دخل على خيمته فجلس و لم يسلّم، فغضب عمر و قال: يا أخا همدان ما منعك من السّلام عليّ ألست مسلما اعرف اللّه و رسوله و أشهد بشهادة الحقّ؟ فقال له برير: لو كنت عرفت اللّه و رسوله كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول اللّه تريد قتلهم، و بعد فهذا الفرات يلوح بصفائه و يزلج كأنّه بطون الحيّات تشرب منه كلاب السّواد و خنازيرها ...
انظر، الفتوح لابن أعثم: ٣/ ١٠٦ و زاد فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثمّ رفع رأسه و قال: إنّي و اللّه أعلمه يا برير علما يقينا أن كلّ من قاتلهم و غصبهم على حقوقهم في النّار لا محالة، و لكن ويّحك يا برير! أتشير عليّ أن أترك ولاية الرّي فتصير لغيري؟ ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا ... و مثله في الكامل لابن الأثير: ٤/ ٣٧ بلفظ «برير». و مثله في أمالي الصّدوق: ٩٦ مجلس ٣٠ طبعة أوّل، تأريخ الفتوح التّرجمة الفارسية: ٣٨٠، منتهى الآمال: ١/ ٦٢٩ بلفظ «برير بن خضير» اللّهوف في قتلى الطّفوف: ٩٥، المقتل لسّيّد عبد الرّزاق المقرّم: ٢٣٢، تأريخ الطّبري: ٦/ ٢٤٣، و: ٢٤٠ طبعة آخر، ٤/ ٣٢٠ بلفظ «برير بن حضير» و: ٥/ ٢٤١ طبعة آخر، بحار الأنوار: ٤٥/ ٤ و ٥ و ١٥، عوالم العلوم للشّيخ عبد اللّه البحراني الإصفهاني: ١٧/ ٢٣٣، مقتل الحسين لأبي مخنف: ١١٢ بلفظ «حضير».
[٢] كعب بن جابر: أحد جنود الجيش الأموي، قالت له زوجته أو أخته لمّا رجع من المعركة: «أعنت على ابن فاطمة، و قتلت سيّد القراء، لقد أتيت عظيما من الأمر، و اللّه لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا» فأجابها بشعر يفتخر فيه بفعله تضمّن بيتا يذكر فيه أنّه أنقذر رضي بن منقذ من القتل حين أعانه على خصمه في المعركة:
قتلت بريرا، ثمّ حملت نعمة* * * أبا منقذ لمّا دعا: من يماصع
و نلفت النّظر إلى عقيدة الجبر الظّاهرة عند رضي بن منقذ العبدي في البيت الأوّل في قوله (لو شاء ربّي ما شهدت قتالهم)، انظر، تأريخ الطّبري: ٥/ ٤٣٢- ٤٣٣.