استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٢٩ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
لينالوا من دنياهم ، فيقع بذلك الفساد لثلاثة :
الأوّل : الأمير ، فيقول : لولا أنّي على صواب لأنكر علَيّ الفقيه ، وكيف لا أكون مصيباً وهو يأكل من مالي .
والثاني : العامي ، فإنّه يقول : لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله ، فإنّ فلاناً الفقيه لا يزال عنده .
والثالث : الفقيه ، يفسد دينه بذلك .
وقد لبّس إبليس عليهم في الدخول على السلطان فيقول : إنّما تدخل لتشفع في مسلم ، وينكشف هذا التلبيس بأنّه لو دخل غيره يشفع لما أعجبه ذلك ، ولربّما قدح في ذلك الشخص لينفرد بالسلطان ، ويلبّس عليه إبليس في أخذ أموالهم فيقول : لك فيه حقّ ، ومعلوم إنّها إن كانت حراماً لم يحل له منها شيء ، وإن كانت من شبهة فتركها أولى ، وإن كانت من مباح جاز له الأخذ بمقدار مكانه من الدين ، لا على وجه انفاقه في مقام الرعونة ، وربّما اقتدى العوام بظاهر فعله واستباحوا ما لا يستباح .
وقد تلبّس إبليس على قوم من العلماء ، فيقطعون عن السلطان إقبالاً على التعبّد والدين ، فزيّن لهم غيبة من يدخل على السلطان من العلماء ، فيجتمع اثنان : غيبة الناس ومدح النفس .
وفي الجملة ، الدخول على السلطان خطر عظيم ، لأنّ النيّة قد تحسن في أوّل الدخول ، ثمّ تتغيّر بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم ، ولا يتماسك عن مداهنتم وترك الإنكار عليهم ، وقد كان سفيان الثوري يقول : ما أخاف من إهانتهم لي ، إنّما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم .
وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء ، لما يظهر من جورهم ،