استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٢٦ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
ومن تلبيس إبليس على الفقهاء : أنّ جلّ اعتمادهم على تحصيل علم الجدل يطلبون بزعمهم تصحيح الدليل على الحكم والاستنباط لدقائق الشرع وعلل المذاهب ، ولو صحّت هذه الدعوى منهم لتشاغلوا بجميع المسائل ، وإنّما يتشاغلون بالمسائل الكبار ليتّسع فيها الكلام ، فيقدم المناظر بذلك عند الناس في خصام النظر فيهم أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش عن المناقضات طلباً للمفاخرة والمباهلة ، وربّما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة يعمّ بها البلوى .
ومن تلبيسه عليهم : إدخالهم في الجدل كلام الفلاسفة ، واعتمادهم على تلك الأوضاع .
ومن ذلك : إيثارهم للقياس على الحديث المستدلّ به في المسألة ، ليتّسع لهم المجال في النظر ، وإن استدلّ أحدهم بالحديث هجن ، ومن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث .
ومن ذلك : أنّهم جعلوه جلّ اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقّق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ، ومعلوم أنّ القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغيّر ، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة ، ومسائل الخلاف وإن كانت في علوم الشرع إلاّ أنّها لا تنهض بكلّ المطلوب ، ومن لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له ، لم يمكنه سلوك طريقهم .
وينبغي أن يعلم أنّ الطبع لصّ ، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طباعهم فصار مثلهم ، وإذا نظر في سير القدماء فزاحمهم وتأدّب بأخلاقهم . وقد كان بعض السلف يقول : حديث يرقّ له قلبي أحبّ إليّ من مائة قضيّة من