استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٦ - كلام الغزالي في ذمّ القياس
فمنهم من حُرِم ومنهم من أنجح ، والمنجح لم يخل عن ذُلّ الطلب ومهانة الابتذال . فأصبح الفقهاء - بعد أن كانوا مطلوبين - طالبين ، وبعد أن كانوا أعزّة بالإعراض عن السلاطين ، أذلّة بالإقبال عليهم ، إلاّ من وفّقه الله تعالى في كلّ عصر من علماء دينه ، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية ، لشدّة الحاجة إليها في الولايات والحكومات .
ثمّ ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات النّاس في قواعد العقائد ، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها ، فعلم رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام ، فأكبّ النّاس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ، ورتّبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات ، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن دين الله تعالى والنضال عن السنّة وقمع المبتدعة ، كما زعم من قبلهم أنّ غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين وتقلّد أحكام المسلمين ، إشفاقاً على خلق الله ونصيحة لهم .
ثمّ ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام ولا فتح باب المناظرة فيه ، لما كان قد تولّد من فتح بابه من التعصّبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخرّب البلاد ، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذاهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص ، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافيّة بين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وزعموا أنّ غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوي ، وأكثروا فيها التصنيفات والإستنباطات ، ورتّبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات ، وهم