استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٣ - كلام ابن عربي في ذمّ القياس
وطريق السعادة ، من مشى عليها نجا ومن تركها هلك ، فإنّ رسول الله صلوات الله عليه وسلّم لمّا نزل عليه قوله تعالى : ( وأنّ هذا صراطي مستقيماً ) خطّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الأرض خطّاً وخطّ خطوطاً عن جانبي الخطّ يميناً وشمالاً ثم وضع إصبعه على الخط وقال تالياً : ( وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السُّبُل ) وأشار إلى تلك الخطوط التي خطّها عن يمين الخط ويساره ( فتفرّق بكم عن سبيله ) وأشار إلى الخط المستقيم .
ولقد أخبرني بمدينة سلا - مدينة بالمغرب على شاطئ البحر المحيط يقال لها منقطع التراب وليس وراءها أرض - رجل من الصالحين الأكابر من عامّة النّاس قال : رأيت في النوم محجّة بيضاء مستوية عليها نور سهلة ، ورأيت عن يمين تلك المحجّة وشمالها خنادق وشعاباً وأودية كلّها شوك ، لا تنسلك لضيقها وتوعّر مسالكها وكثرة شوكها والظلمة التي فيها ، ورأيت جميع الناس يخبطون فيها عشوا ويتركون المحجّة البيضاء السهلة ، وعلى المحجّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونفر قليل معه يسير وهو ينظر إلى من خلفه ، وإذا في الجماعة - متأخّر عنها لكنّه عليها - الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن قرقور المحدّث - كان سيّداً فاضلاً في الحديث ، اجتمعت بابنه - فكان يفهم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّه يقول له : ناد في النّاس بالرجوع إلى الطريق ، فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول في ندائه ولا من داع ولا من مستدع : هلمّوا إلى الطريق هلمّوا . قال : فلا يجيبه أحد ولا يرجع إلى الطريق أحد .
واعلم : إنّه لمّا غلبت الأهواء على النفوس وطلبت العلماء المراتب عند الملوك ، تركوا المحجّة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ليمشّوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي ، مع كون