استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٤ - كلام ابن عربي في ذمّ القياس
الفقيه ربّما لا يعتقد ذلك ويفتي به ، وقد رأينا منهم جماعة على هذا من قضاتهم وفقهائهم .
ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام ، فنادى بمملوك وقال : جئني بالحرمدان . فقلت له : ما شأن الحرمدان ؟ قال : أنت تنكر على ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم ، وأنا - والله - أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أنّ ذلك كلّه منكر ، ولكن والله - يا سيّدي - ما منه منكر إلاّ بفتوى فقيه ، وخطّ يده عندي بجواز ذلك ، فعليهم لعنة الله ، ولقد أفتاني فقيه هو فلان - وعَيَّن لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشّف - بأنّه لا يجب علَيّ صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب علَيّ شهر في السنة ، والاختيار لي فيه أيّ شهر شئت من شهور السنة . قال السلطان : فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك وهو فلان ، وسمّاه لي ، رحم الله جميعهم .
فلتعلم : أنّ الشيطان قد مكّنه الله من حضرة الخيال وجعل له سلطاناً فيها ، فإذا رأى الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنّه يردي عند الله زيّن له سوء عمله بتأويل غريب يمهّد له فيه وجهاً يحسّنه في نظره ويقول له : إنّ الصدر الأوّل قد دانوا الله بالرأي ، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياء وطردوها ، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموها به في المنصوص عليه للعلّة الجامعة بينهما ، والعلّة من استنباطه ، فإذا مهّد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعيّ في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله في كلّ ما له أو لسلطانه فيه هوى نفس ، ويردّ الأحاديث النبويّة ويقول : لو أنّ هذا الحديث يكون صحيحاً وإن كان صحيحاً يقول : لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو