استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٢٧ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
قضايا شريح ، وإنّما قال هذا ، لأنّ رقّة القلب مقصودة ولها أسباب .
ومن ذلك : أنّهم اقتصروا على علم المناظرة ، وأعرضوا عن حفظ المذهب وباقي علوم الشرع ، فترى الفقيه المفتي يسئل عن آية أو حديث لا يدري ، وهذا عين التقصير ، فأين الفقه من التقصير .
ومن ذلك : أنّ المجادلة إنّما وضعت لتبيين الصواب ، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق ، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل ، وإذا خفي على أحدهم شيء نبّهه الآخر ، لأنّ المقصود كان إظهار الحقّ ، فصار هؤلاء إذا قاس الفقيه على أصل لفقيه بعلّة يظنّها فقيل له : ما الدليل على أنّ الحكم في الأصل معلّل بهذه العلّة ؟ فقال : هذا الذي يظهر لي ، فإن ظهر لكم ما هو أولى من ذلك فاذكروه . قال المعترض : لا يلزمني ذلك ، ولقد صدق في أنّه لا يلزمه ، ولكن فيما ابتدع من الجدل ، بل في باب النصح وإظهار الحقّ يلزمه .
ومن ذلك : أنّ أحدهم يتبيّن له الصواب مع خصمه ولا يرجع ، ويضيق صدره كيف ظهر الحقّ مع خصمه ، وربّما اجتهد في ردّه مع علمه أنّه الحقّ ، وهذا من أقبح القبيح ; لأنّ المناظرة إنّما وضعت لبيان الحقّ ، وقد قال الشافعي : ما ناظرت أحداً فباليت مع من كانت الحجّة ; إن كانت معه صرت إليه .
ومن ذلك : إنّ طلبهم الرياسة بالمناظرة يثير الكامن في النفس من حبّ الرياسة ، فإذا رأى أحدهم في كلامه ضعفاً يوجب قهر خصمه له خرج إلى المكابرة ، وإن رأى خصمه قد استطال عليه بلفظة ظهرت حميّة الكبر ، فقابل ذلك بالسبّ ، فصارت المجادلة مجالدة .