استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٠ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
فيطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات ، فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا فتعلّموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم لينالوا من دنياهم ، ويدلّك على أنّهم قصدوا بالعلوم الأمراء : أنّ الأمراء كانوا قديماً يميلون إلى سماع الحجج في الأصول ، فأظهر النّاس علم الكلام ، ثمّ مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه ، فمال الناس إلى الجدل ، ثمّ مال بعض الأمراء إلى المواعظ ، فمال خلق كثير من المتعلّمين إليها ، ولمّا كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كثر القصّاص وقلّ الفقهاء .
ومن تلبيس إبليس على الفقهاء : أنّ أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنيّة على المتشاغلين بالعلم ، فيمكث فيها سنين فلا يتشاغل ويقنع بما قد عرف أو ينتهي في العلم ، فلا يبقى له في الوقف حظّ ، لأنّه إنّما جعل لمن يتعلّم ، إلاّ أن يكون ذلك الشخص معيداً أو مدرّساً فإنّ شغله دائم .
ومن ذلك ما يحكى عن بعض عوام المتفقهة من الانبساط في المنهيّات ; فبعضهم يلبس الحرير ويتختّم بالذهب ويحال على المكس فيأخذ ، إلى غير ذلك من المعاصي ، وسبب انبساط هؤلاء يختلف : فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين ، فهو يتفقه فيشهر نفسه أو ليأخذ من الوقف أو ليرؤس أو ليناظر ، ومنهم من عقيدته صحيحة لكن يغلبه الهوى وحبّ الشهوات وليس عنده صارف عن ذلك ، لأنّ نفس الجدل والمناظرة تتحرّك إلى الكبر والعجب ، وإنّما يتقوّم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف ، وأكثر القوم في بعد عن هذا ، وليس عندهم إلاّ ما يعين الطبع على سموحه ، فحينئذ يسرح الهوى بلا رادّ .
ومنهم من يلبس عليه إبليس : بأنّك عالم وفقيه ومفت ، والعلم يدفع عن