استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٢٨ - كلام ابن الجوزي في ذمّ القياس
ومن ذلك : ترخّصهم في الغيبة بحجّة الحكاية عن المناظر ، فيقول أحدهم : تكلّمت مع فلان فما قال شيئاً ، ويتكلّم بما يوجب التشفّي من غرض خصمه بتلك الحجّة .
ومن ذلك : أنّ إبليس لبّس عليهم بأنّ الفقه هو وحده علم الشرع ليس ثَمّ غيره ، فإن ذُكِر لهم محدّث قالوا : ذاك لا يفهم شيئاً ، وينسون أنّ الحديث هو الأصل ، فإن ذكر لهم كلام يَلين به القلب قالوا : ذا كلام الوعّاظ .
ومن ذلك : إقدامهم على الفتوى وما بلغوا مرتبتها ، وربّما أفتوا بالمخالف للمنصوص ، ولو توقّفوا في المشكلات كان أولى ، وفي الحديث مرفوعاً إلى عبد الرحمان بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وما منهم من يحدّث حديثاً إلاّ ودّ أنّ أخاه كفاه الحديث ، ولا يُسئَل عن فتيا إلاّ ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا .
وقد روينا عن إبراهيم النخعي : أنّ رجلاً سأله عن مسألة ، فقال : ما وجدت من تسأله غيري ؟
وعن مالك بن أنس إنّه قال : ما أفتيت حتّى سألت سبعين شيخاً هل يرون لي أن أُفتي ؟ فقالوا : نعم . فقيل له : لو نهوك ؟ قال : لو نهوني انتهيت .
وقال رجل لأحمد بن حنبل : إنّي حلفت ولا أدري كيف حلفت ؟ فقال : ليتك إذا دريت كيف حلفت دريت كيف أفتيك .
وإنّما كانت هذه سجيّة السلف ، لخشيتهم الله عزّ وجلّ وخوفهم منه ، ومن نظر في سيرتهم تأدّب .
ومن تلبيس إبليس على الفقهاء : مخالطتهم للأمراء والسلاطين و مداهنتم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك ، وربّما رخّصوا لهم ما لا رخصة فيه