شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٨
لأنه جملة في موضع الخبر، فلم اختير النصب في:" إنا كلّ شيء خلقناه" و كلام اللّه تعالى أولى بالاختيار؟ فالجواب أن في النصب هاهنا دلالة على معنى لا يوجد ذلك المعنى في حالة الرفع؛ و ذلك أنك إذا قلت:" إنا كلّ شيء خلقناه بقدر"، فتقديره: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم؛ لأنه إذا قال: إنا خلقنا كلّ شيء فقد عمّ، و إذا رفع فقال: كلّ شيء خلقناه بقدر، فليس فيه عموم؛ لأنه يجوز أن نجعل" خلقناه" نعتا لشيء، و يكون" بقدر" خبرا لكل، و لا تكون فيه دلالة لفظه على خلق الأشياء كلها، بل تكون فيه دلالة على أن ما خلق منها خلقه بقدر، و مثل هذا في الكلام" كلّ نحوي أكرمته في الدار" فقد أوجبت أنه ما بقي أحد من النحويين إلا و قد أكرمته؛ لأن تقديره:
أكرمت كلّ نحوي أكرمته في الدار، و إذا قلت:" كلّ نحوي أكرمته في الدار"، و جعلت" أكرمته" نعتا لنحوي، فمعناه كل من أكرمته من النحويين فهو حاصل في الدار، و يجوز أن يكون في النحويين من لم تكرمه في الدار.
قال: و قد قرأ بعضهم: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [١].
و الاختيار الرفع و هو الأكثر في القراءة، و نصبه على إضمار فعل، كأنه قال: و أما ثمود فهدينا فهديناهم يعني قراءة من قرأ: إنا كلّ شيء خلقناه، و إن كان الاختيار الرفع لقراءة من قرأ" و أما ثمود فهديناهم" و الاختيار الرفع لأن" أمّا" من حروف الابتداء، و قد بينا ما في ذلك.
قال: (و تقول:" كنت عبد للّه لقيته" لأنه ليس من الحروف التي ينصب ما بعدها كحروف الاستفهام و حروف الجزاء و ما شبه بها).
يعني" كنت" ليس مثل هذه الحروف التي يختار النصب فيما بعدها كحروف الاستفهام، و حروف الجزاء، و ما شبه بها من الأمر، و حروف النفي، و ليس بفعل ذكرته ليعمل في شيء فينصبه أو يرفعه، ثم تضم إلى الكلام الأول الاسم، يعني أن" كنت" ليست بجملة مبنية على فعل عطفت عليها جملة أخرى كقولك:" ضربت زيدا و عمرا كلمته"، فوجب أن يكون الاختيار الرفع فيما كان في موضع الخبر على ما وصفنا.
و تكلم بكلام طويل لم يخرج عن الجملة التي عندنا، فأرى أن الجملة التي تقع في
[١] سورة فصلت، آية: ١٧.