شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٨٢
الشّرّ، و يحسن في هذا دخول لا زائدة، فيقول: أمّا أن لا يكون و أنت تريد ما يكون؛ لأن الفعل إذا قصد به كون شيء، فقد قصد به نفي ضده. ألا تراك لو قلت: فعلت هذا الأمر لغضبك، تريد: فعلته من أجل ما أخشاه من غضبك، أو لأن يقع غضبك، كان كلاما صحيحا.
فإذا قلت فعلت هذا لأن لا تغضب، لم يخرج عن هذا المعنى، و في القرآن: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا، لأن التقدير: يبين اللّه لكم الضلال المتوهّم منكم لو لم يبيّن، و هذا الوجه أحبّ إليّ من قول من قال: كراهة أن تضلّوا، و كذلك قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ إن لم تجعل (لا) زائدة لم تكن الضرورة داعية إلى زيادتها، لأنّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ، أي:
يفعل بكم هذه الأشياء ليبين جهل أهل الكتاب، و أنهم لا يعلمون أنّ ما يؤتيكم اللّه من فضله في ذلك لا يقدرون على تغييره و إزالته عنكم؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة (لا).
هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة و لا مصادر لأنه حال يقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول فيه
(و ذلك قولك: كلمته فاه إلى فيّ، و بايعته يدا بيد، كأنه قال: بايعته نقدا، و كلمته مشافهة، أي في هذه الحال).
قال أبو سعيد: اختلف الناس في ما نصب فاه، فأصحابنا يقولون: إن الناصب:
كلمته، و إنه لا إضمار فيه، و جعلوه نائبا عن: مشافهة التي معناها: مشافها، و جعلوه من الشاذ المحمول على غيره، لأنه معرفة، و أنه اسم غير صفة، فصار بمنزلة قولك: الجمّاء الغفير، و رجع عوده على بدئه. و قد ذكرنا شرح ذلك.
و الكوفيون ينصبون: فاه بإضمار: جاعلا.
[١] سورة النساء، الآية: ١٧٦.
[٢] سورة الحديد، الآية: ٢٩.
[٣] سورة الحديد، الآيتان: ٢٨، ٢٩.