شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٤١
و إن حق الكلام أن يجعل الأخص هو الذي يبدأ به، فإن اكتفى به المخاطب لم يحتج إلى أن يأتي بنعت و إلّا زدت من المعرفة ما يزداد به المخاطب معرفة، و من مذهبه: أنهما إذا كانا مستويين في الاختصاص و طريق التعريف، جاز أن يكون أحدهما نعتا للآخر كنعت ما فيه الألف و اللام، مثله ما فيه الألف و اللام و لم يجز سيبويه نعته بما فيه الألف و اللام، لأنه يراه أخص منه، فيرى أن أخاك أخص من الرجل، و من الطويل و النبيل و نحوه، و الحجة له أن ما فيه الألف و اللام أبهم المعارف و أقربها من النكرات، لأن منها ما ينعت بالنكرات كقولك: إني لأمر بالرجل عندك فيكرمني، و يقوم لي.
و إني لأمر بالرجل مثلك فيعينني، إذا لم تقصد قصد الرجل بعينه، و على هذا حمل قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ جعل (غير) نعت الذين، و هي في مذهب الألف و اللام الذي لم يقصد به قصد شيء بعينه، و يدل على ذلك أن من المعرفة بالألف و اللام ما يستوي في معناه الألف و اللام و تركها، و ذلك نحو قولك: شربت ماء، و شربت الماء، و أكلت خبزا و أكلت الخبز، و امتنع أن ينعت ما فيه الألف و اللام بالمبهم من أجل أن المبهم لما جعل وصلة مقدمة إلى ذكر ما فيه الألف و اللام علم أنه لو كان يقع بعد الألف و اللام ما يريدونه من البيان ما احتاجوا إلى التوصل إلى الألف و اللام بهما، و قد بيّن سيبويه بأن المبهم أخص بمعرفة العين، يعني: المشاهدة و معرفة القلب له، و ما اجتمع له.
هذان أخص و الأخص لا يكون نعتا للأعم، فإن قال قائل: فقد جعل سيبويه المبهم نعتا للعلم و للمضاف، كقولك: مررت بزيد هذا، و بعمرو ذاك، و مررت بصاحبك هذا، و قد اجتمع فيه معرفة العين و معرفة القلب، و لم تجتمع هاتان المعرفتان في: زيد و صاحبك.
فالجواب إن ذكر هذا و ذلك بعد زيد و بعد صاحبك، يذهب به مذهب الحاضر أو المشاهد أو القريب، و بذاك مذهب البعيد أو المنتحي، و لهذا قال سيبويه:
(و إنما صار المبهم بمنزلة المضاف، لأنك تقرب به شيئا أو تباعده و تشير إليه).
[١] سورة الفاتحة، الآية: ٧.