شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٧٧
و لا يصلح أن تقول: الأفضل منك أبا، لأن منك إنما تدخل إذا كان" أفضل" في معنى الفعل: لابتداء الغاية التي منها ابتداء الفضل فإذا نقلت إلى الذات بطل ذلك المعنى، و صار" الأفضل" بمعنى الفاضل، فكما لا يجوز أن تقول:" الفاضل منك" لم يجز أن تقول:" الأفضل منك".
و قال الزجاج: فرقهم بالنون قولهم في التثنية" الأفضلان" و الجمع" الأفضلون" مثل:
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فهذه النون فاصلة لأنها جعلت الآخر غير الأول.
قال سيبويه: (و قد جاء من الفعل ما أنفذ إلى مفعول، و لم يقو قوة غيره، مما تعدى إلى مفعول، و ذلك قولك: امتلأت ماء، و تفقأت شحما).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب مثل ما تقدم من نقل الفعل عن الثاني إلى الأول و ذلك أن قولك: امتلأت ماء، معناه امتلأ مائي، و تفقأت شحما، أي تفقأ شحمي، و مثله:" تصببت عرقا" و اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [١] و إنما هو تصبب عرقي، و اشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الثاني إلى الأول، و نزع عن الثاني، فارتفع الأول بالفعل المنقول إليه، فصار فاعلا في اللفظ، فمنع الفعل أن يعمل في فاعله على الحقيقة فيرفعه؛ لأنه لا يرتفع به أكثر من واحد و توابعه، و انتصب المنقول عنه الفعل؛ لأن الفعل لا تصح إضافته إليه فينخفض به و لا يرتفع به و قد ارتفع به غيره، و لم يبق إلا النصب فنصب. فإن قال قائل: فلم نكّر و لم تدخل عليه الألف و اللام كما فعل ذلك في الوجه من قولك:
حسن الوجه؟ فإن الجواب في ذلك أن" تفقأت شحما" و بابه و إن كان قد شابه" حسن الوجه" من جهة، فقد فارقه من غيرها، و ذلك أن" حسن الوجه" انتقل الفعل عنه إلى اسم الفاعل، و صار المنقول عنه بمنزلة المفعول، و المنقول إليه بمنزلة اسم الفاعل الذي يضاف مرة و ينون أخرى فيعمل، و لا يكتفي" الحسن" بنفسه، إذا أردت به حسن الوجه.
و" تفقأت" قد يكتفي بنفسه، فيقال:" تفقأت" و يسكت عليه، غير أن التفقؤ يكون من أشياء، فصار" تفقأت" بمنزلة" عشرين" لأنك تتفقأ من أشياء كثيرة، كما أن" العشرين" تكون من أشياء كثيرة، فلما كان إبانة" العشرين" بنكرة الجنس على طريق التمييز، وجب أن تكون إبانة التفقؤ بنكرة على طريق التمييز؛ و لا يجوز إدخال الألف
[١] سورة مريم، آية: ٤.