شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٠
قال: و من ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً [١].
يعني أنه فصل بين الليل و بين الشمس بسكنا فقوي النصب، و إن كان" جاعل الليل و الشمس و القمر" لكان الجر أقوى، و يجوز أن يكون" جاعل" في معنى فعل ماض، و يجوز أن يكون في معنى فعل مستقبل.
فإذا جعلته في معنى الفعل الماضي فتقديره" جعل" الليل، و معناه قدر الليل لهذا، و نظيره: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [٢] و هو أظهر الوجهين، و تنصب الشمس و القمر بإضمار فعل.
و من جعله بمنزلة المستقبل فهو على تقدير" يجعل"، و ذلك لأنه فعل لم ينقطع؛ لأن الليالي متصلة، منها ما قد كان، و منها ما يكون، فهو بمنزلة قولك" زيد يأكل" إذا كان في حال أكل قد تقضّى بعضه و بقي بعضه، و كذلك" زيد يصلّي" إذا كان في صلاة تقضّى بعضها و بقي بعضها.
قال: و كذلك إن جئت باسم الفاعل الذي تعداه فعله إلى مفعولين، و ذلك قولك:" هذا معطي زيد درهما و عمرو" إذا لم تجره على الدرهم، و النصب على ما نصب عليه ما قبله.
يعني أنك تجر" عمرا" إذا أجريته على زيد، و لم تجره على الدرهم، بأن تنصبه على إضمار فعل، و ذلك أن قولنا" هذا معطي زيد درهما" تنصب الدرهم فيه على إضمار فعل؛ لأن" معطي" في معنى الفعل الماضي، فكأنك قلت: أعطاه درهما، فإذا نصبت عمرا فقد أجريته على الدرهم في إضمار فعل ينصب، و قد ذكرنا أنه يجوز أن يكون اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي ينصب المفعول الثاني إذا أضيف إلى الاسم الذي يليه؛ بالشبه الذي بين الفعل الماضي و بين الاسم الذي أوجب له البناء على الفتح، و قولك:" هذا معطي زيد درهما و عمرا" أقوى في النصب من قولك:" هذا معطي زيد و عمرا"؛ لفصل الدرهم بينهما.
[١] سورة الأنعام، آية: ٩٦.
[٢] سورة يونس، آية: ٦٧.