شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١١
و أنت تريد عبده؛ لأنه لا يعبر بزيد عن عبده، فلفظ" زيد" ليس يشتمل على العبد.
و بدل المعرفة من النكرة، و النكرة من المعرفة، و المضمر من المظهر، و المظهر من المضمر، في هذه الأبواب سواء، و ليست كالنعت؛ لأن النعت تمام المنعوت، و تجلية له، و البدل منقطع من المبدل منه على ما ذكرنا، فلم تكن حال توجب استواءهما في التعريف و التنكير.
و الوجه الرابع: بدل الغلط، و لا يجوز أن يقع في شعر و لا قرآن و لا كلام معمول محكّك و إنما يجيء في الكلام الذي يبتدؤه الإنسان على جهة سبق اللسان إلى الشيء الذي لا يريده، فيلغيه، حتى كأنه لم يذكره بلفظ مما يريده، كقولك:" رأيت زيدا" و أنت تريد عمرا فتلغي زيدا، و تذكر عمرا فتقول: رأيت زيدا عمرا، و تكون مريدا لزيد، فيبدو لك، إما لأنك تبينت أن الفعل لم يقع بعد بزيد، و أنه كان واقعا بعمرو، و إما لأنك أردت الإضراب عن نسبة ذلك الفعل إلى زيد، و إنما يقع في بديه الكلام.
و العامل في البدل في ذلك كله هو العامل في المبدل منه؛ لتعلقهما به من طريق واحد.
قال سيبويه على إثر ما ذكره من البدل: (فهذا يجيء على وجهين: على أنه أراد رأيت أكثر قومك و رأيت ثلثي قومك، و صرفت وجوه أولها، و لكنه ثنّى الاسم توكيدا كما قال اللّه تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [١]).
فهذا أحد الوجهين، و المعنى في ذلك أنه حين قال:" رأيت قومك" كان غرضه رأيت ثلثي قومك؛ لأنه قد يجوز أن تعبّر باللفظ العام و أنت تريد البعض، كما قد يقول القائل:" شغب الجند" و إنما تريد بعضهم، و" ضج أهل بغداد"، و عسى ألا يكون ضج منهم إلا نفر، فإذا أراد باللفظ الأول العام البعض ثم أتى بذلك البعض فكرره بلفظ آخر فقد أكّد، كما أكّد في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، و كما قال تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ [٢]، ف" قتال فيه" بدل و هو تأكيد على هذا الوجه الذي ذكرناه، لأنه أراد بقوله:" الشهر الحرام" القتال، ثم أعاد القتال توكيدا قال
[١] سورة الحجر، آية: ٣٠.
[٢] سورة البقرة، آية: ٢١٧.