شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٢٣
مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ. و الامتحان و البلوى فيما يتعارفه النّاس إنما هو في معنى: التجربة، و هو من اللّه عزّ و جلّ على وجه الأمر لهم أو إيراد بعض أفعاله عليهم مما يظهر للناس ثبات المفعول به و الصبر على طاعة اللّه تعالى أو خلاف ذلك.
و كذلك ما جاء في القرآن من" لعلّ" قد جعل بمعنى" كي"، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
و نظائر ذلك مما أتى فيه لعلّ بعد أمر أمر به إنما هو على معنى" كي يكون ذلك"؛ أي:
أمرناكم بهذا الأمر ليكون ذلك؛ فالشيء الذي جعل الأمر سببا له يجوز ألّا يكون، و لا يخرج الأمر أن يكون وقع مقصودا به لذلك المعنى؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول: مدحت الأمير ليعطيني، و كي يعطيني و لعله يعطيني، و إن لم يعطه فالقصد لم يتغيّر أن يكون واقعا لذلك المعنى.
و كذلك ما في القرآن مما يتعارفه الناس في كلامهم دعاء إذا وقع من اللّه عزّ و جلّ فهو من طريق اللفظ على ما قد تعارفه الناس، و هو من اللّه عزّ و جلّ واجب، لأن القائل إذا قال: قاتلك اللّه، و لعنك اللّه، فإنما يريد أن يوقع اللّه ذلك بالذي دعا عليه، فإذا قاله اللّه عزّ و جل فهو على طريق أنه يوقعه، و كذلك القول في قوله عزّ و جلّ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. لأن القائل من الناس يذكره على جهة الدعاء عليهم، و اللّه عز و جل يذكره على طريق وجوب ذلك لهم، لأنه هو المدعوّ المستدعى منه ذلك.
قال: (و تقول: ويل لك ويل طويل، و إن شئت جعلته بدلا من المبتدإ الأوّل، و إن شئت جعلته صفة له، و إن شئت قلت: ويل لك ويلا طويلا تجعل الأخير غير مبدل و لا موصوف به و لكن تجعله دائما).
يعني: تجعل ويلا طويلا في معنى الحال؛ كأنّه قال: ويل لك دائما.
قال: (و من هذا الباب: فداء لك أبي و أمي، و حمي لك أبي، و وقاء لك أميّ، و لا
[١] سورة محمد، الآية: ٣١.
[٢] سورة الحج، الآية: ٧٧.
[٣] سورة المرسلات، الآية: ١٥.
[٤] سورة المطففين، الآية: ١.