شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٣٠
بمنزلة عامل آخر.
فإذا كان الفعل المعطوف عليه يقتضي فاعلين مثل: اختصم و نحوه، لم يجز أن يعطف عليه بالفاء اسما مفردا، لأنه لا يكون من واحد، و يجوز بالواو لأنها تشرك الواحد مع من تقدمه.
و اعلم أن حروف العطف عملها الاشتراك بين الثاني و الأول في الإعراب.
و تختلف معانيها، فأمّا الواو: فإنها مع إشراكها بينهما في الإعراب تشرك بينهما في المعنى حتى يكون الثاني داخلا فيما دخل الأول فيه من المعنى المذكور للأول في الجمع و التفريق.
فالجمع: مررت بزيد و عمرو، و قد مررت بأحدهما في وقت، و انقطع مرورك ثم مررت بالآخر بعد حين.
و هذا الذي يسميه سيبويه: (مرورين).
و أجمع النحويون و اللغويون من البصريين و الكوفيين أن الواو لا توجب تقدم، و ما تقدم لفظه.
قال اللّه تعالى في قصة واحدة في البقرة:
وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ.
و قال في الأعراف:
وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً فأما الفاء فإنها وضعت للاتصال، و دخول الثاني فيما دخل فيه الأول متصلة به، كقولك: ضربت زيدا فبكى، و أعطيته فاستغنى و ضربت زيدا فعمرا، و دخلت الكوفة فالبصرة.
فالثاني بعد الأول و هو متصل به، و داخل في معناه، فزيد داخل في الضرب، و البصرة داخلة في الدخول مثل الكوفة، و معنى ذلك: أنه لم يقطع سيره الذي دخل به الكوفة حتى وصله بالسير الذي دخل به البصرة، لم تحدث بينهما مهلة و لا فتور.
و أمّا (ثم) فسبيلها سبيل الفاء في أن الثاني داخل في معنى الأول، و أنه بعده إلا أن
[١] سورة البقرة، الآية: ٥٨.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ١٦١.