شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٨٣
كأنه قال: كلمته جاعلا فاه إلى في، و لو كان على ما قالوا من إضمار: جاعل ما كان فيه شذوذ، و لجاز أن يقال: كلمته وجهه إلى وجهي، و عينه إلى عيني، و لم يقل هذا أحد فدلّ على أنه شاذ، كما قال أصحابنا فلذلك لم يقس عليه، و أكثر أصحابنا أجاز تقديم فاه منصوبا لما كان العامل فيه: كلمته، و هو فعل و معمول، كقولك: قائما ضحك زيد، و ضحك زيد قائما.
و لهذا أجاز المازني و المبرد: شحما تفقأت، و لم يجيزا: زيد ثوبا أنظف منك، تريد:
زيد أنظف منك ثوبا، لاختلاف العاملين. و من أصحابنا من زعم أن مذهب سيبويه يمنع أن يقال: فاه إلى فيّ كلمته، لأن هذا كلام في غير موضعه، و قد منع سيبويه: جاء زيد سرعة قياسا على جاءني زيد مشيا، لأن مشيا بمعنى: ماشيا، ليس بقياس يطرد في نظائره، فإذا منع القياس في هذا كان في تقديم فاه أولى.
و الكوفيون يمنعون تقديمه- أيضا- مع قولهم: إن العامل فيه: جاعل، و يلزمهم جوازه لأن جاعلا لا يمنع من العمل فيما قبله.
قال سيبويه: (و بعض العرب يقول: كلمته فوه إلى في، كأنه قال: كلمته وفوه إلى في، أي كلمته، و هذه حاله).
قال أبو سعيد: من رفع فالتقدير: كلمته أي: كلمته و هذه حاله، و من نصب فليس على تقدير الواو ألا تراك تقول: كلمت زيدا قائما، و كلمت زيدا و هو قائم إذا أتيت بالواو في موضع الحال لم يكن ما بعدها إلا مبتدأ و خبر، فأما بايعته يدا بيد فلا يجوز بايعته يد بيد و لا بايعته و يد بيد، و ليس إلا النصب لأنك لو رفعت كان التقدير: بايعته و يده في يدي، و ليس هذا هو الغرض بل معنى قولهم: بايعته يدا بيد، أي: بايعته بالنقد و التعجيل سواء كان منه قريبا أو بعيدا، و إذا قال كلمته فوه إلى في فإنما تريد أن تخبر عن قربه منه و أنه مشافهة و ليس بينهما أحد، و مثله من المصادر مما تلزمه الإضافة و يجوز فيما بعده الابتداء و أن يكون حالا قولهم: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال:
أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا في الكلام و إنما قدرناه مفردا ليبين، و من قال كلمته فوه إلى في، أجاز الرفع في قوله قال: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال: أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا و إنما قدرناه مفردا، و المعنى: رجع فلان و عوده على بدئه، و المعنى لم يتغير.