شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٩
هذا، و منهم من يقول: كل شيء و لا شتيمة حر؛ فيرفع الأول و ينصب الثاني، كأنه قال:
كل شيء أمم و لا تشتمنّ حرّا، أي: كل شيء قصد يحتمل: و لا تشتمنّ حرّا.
و قد ذكر في هذا الباب أشياء فيها حذف لأنها أمثال، و اعتمد على أنّ ترك الفعل فيها لأنها أمثال.
فإن قال قائل: ما السبب الذي سوغ الحذف في الأمثال؟
قيل له: أصل الأمثال أن يتكلم الإنسان بحضرة قوم، و في كلامه من الألفاظ ما يستطرفه بعضهم من الألفاظ فيعيد اللفظ المستطرف، فربما أعاد جملة الكلام، و ربما كان على سبب لا يعيده و لا يذكره و لا يتم إلا بذلك السبب، و يقع فيه ضمير ليس في الكلام ما يعود إليه، لأنه المتمثّل استطرفه و تمثّله فلا حاجة به إلى ذكر ما حذف من الكلام لأن المتبقي هو المثل، فمن ذلك قول العرب:" كلاهما و تمرا"، أو" كليهما و تمرا"، و ذلك في كلامهم أكثر من أن يحصى، و مما لم يذكره قولهم:" أسعد أم سعيد"، و هو مبتدأ لم يذكر خبره، و المتمثل يذكره في غير سعد و سعيد في الشيء الذي يبدو و لا يدرى ما هو، فيقال: أسعد أم سعيد معناه: أخير أم شر، و كذلك قولهم:" لكن الأثلاث لحم لا يظلّل"، و قد علمنا أن لكن لا يبتدأ به و لكن ابتدأه قائل هذا على كلام يجري فترك ذكر الكلام، و كذلك" ثكل أرأمها ولدا" في المثل ضمير ليس فيه ما يعود إليه، و من العرب من يقول: ديار مية و سائر ما يجيء من ذكر الديار في هذا الموضع، كأنه يقول:
تلك ديار مية، و قال الشاعر:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده
و هاج أهواءك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات به
و كلّ حيران سار ماؤه خضل